أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٣ - الدليل الأول الكتاب
العلم لكن التعليل بقوله تعالى: «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» دليل على أنّ الخبر الذي لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به ليس بحجّة، ولو كان المخبر عادلًا (لأنّ العلّة قد تعمّم كما أنّها قد تخصّص) وحينئذٍ الترجيح مع ظهوره التعليل لكونه أقوى وآبياً عن التخصيص مضافاً إلى كونه منطوقاً لا مفهوماً.
واجيب عنه بوجوه:
الوجه الأول: أنّ مقتضى التعليل ليس هو عدم جواز الاقدام على ما هو مخالف للواقع مطلقاً، لأنّ المراد بالجهالة هنا السفاهة وفعل ما لا يجوز فعله، لا ما يقابل العلم، ولا شبهة في أنّه لا سفاهة في الركون إلى خبر العدل والاعتماد عليه.
إن قلت: يستلزم هذا كون اعتماد الصحابة على خبر الوليد الفاسق سفيهاً، وهو كما ترى.
قلنا: قد أجاب عن هذا المحقّق النائيني رحمه الله بأنّه ربّما يركن الشخص إلى ما لا ينبغي الركون إليه غفلةً أو لاعتقاده عدالة المخبر، والآية هنا نزلت للتنبيه على غفلة الصحابة أو لسلب اعتقادهم عن عدالة الوليد، أي ركون الصحابة إلى خبر الوليد لم يكن من باب الإقدام على أمر سفهي بل من جهة عدم علمهم بفسق الوليد.
أقول: الجهالة في لغة العرب وإن كان قد تأتي بمعنى السفاهة ولكن الأصل في معناها هو ضدّ العلم كما نطقت به كتب اللغة، فحينئذٍ حمل الآية على المعنى الأوّل مشكل جدّاً، ويؤيّد ما ذكرنا ملاحظة موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم.
الوجه الثاني: «أنّه على فرض أن يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع لا يعارض عموم التعليل للمفهوم، بل المفهوم يكون حاكماً على العموم لأنّه يقتضي إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع وجعله محرزاً له وكاشفاً عنه، وكأنّه يقول: «نزّل خبر العادل بمنزلة العلم» فلا يشمله عموم التعليل لا لأجل تخصيصه بالمفهوم لكي يقال: إنّه يأبى عن التخصيص بل لحكومة المفهوم عليه» [١].
ويرد عليه: إنّ لسان الآية ليس لسان الدليل الحاكم ولا يساوق مفهومها قولك: «الغ احتمال الخلاف» بل تدلّ على أنّه إذا جاءكم عادل بنبأ فلا يجب التبيّن بل يجب القبول.
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ١٧٢.