مراقبات شهر رمضان - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦٤
ثالثا : صوم خواصّ الخواصّ
يتمثّل هذا الضرب من الصيام بكفّ القلب وتحصينه عن كلّ ما يشغله سوى اللّه سبحانه ، حلالاً كان الشاغل أم حراما . يقول أبو حامد الغزالي ( ت ٥٠٥ ق ) في نعت هذه الدرجة من الصوم : « وأمّا صوم خصوص الخصوص فصوم القَلب عَن الهمم الدنيّة والأفكار الدنيويّة وكفّه عمّا سوى اللّه بالكلّية ؛ ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفِكر فيما سوى اللّه واليوم الآخر ، وبالفكر في الدّنيا إلاّ دنيا تراد للدِّين فإنَّ ذلك زاد الآخرة وليس من الدّنيا حتّى قال أرباب القلوب : مَن تحرّكت همّته بالتصرّف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه ، كتبت عليه خطيئة فإنَّ ذلك من قلّة الوثوق بفضل اللّه وقلّة اليقين برزقه الموعود ، وهذه رتبة الأنبياء والصدّيقين والمقرّبين،ولا يطوَّل النظر في تفصيلها قولاً ولكن في تحقيقها عملاً ، فإنّه إقبال بكنه الهمّة على اللّه وانصراف عن غير اللّه وتلبّس بمعنى قوله تعالى : « قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ » [١] » [٢] . من جهته يُومِئ الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام إلى المراتب الثلاث هذه بقوله : «صَومُ القَلبِ خَيرٌ مِن صِيامِ اللِّسانِ وصِيامُ اللِّسانِ خَيرٌ مِن صِيامِ البَطنِ» [٣] . على أنَّ لكلّ واحدة من المرتبتين الأخيرتين مراتب كثيرة بحسب مجاهدات الصائمين واستعدادهم ، كما يختلف الصوم أيضا من زاوية دوافع الصائم ، حيث يأتي في ذروة هذه المراتب حال الصائم حين لا يكون الباعث إلى صيامه الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب ، وإنّما امتثال الأمر الإلهي والرغبة في قربه والطمع برضاه ولقائه سبحانه . نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا لكي نبذل ما يزيد حظّنا من الضيافة الرمضانية الكريمة ، وأن يتفضّل علينا بأعلى درجات الصيام وأسماها .
[١] الأنعام : ٩١ .[٢] إحياء علوم الدين : ج ١ ص ٣٥٠ ؛ المحجّة البيضاء : ج ٢ ص ١٣١ .[٣] غرر الحكم : ح ٥٨٩٠ .