مراقبات شهر رمضان - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨
أمّا الحكمة من وراء هذا الدور الإغوائي الّذي تلعبه الشياطين في نظام الخليقة ، فتكمن في تفتّق المواهب الإنسانية الكامنة وتربية الإنسان الكامل وإعداده في ظلّ المقاومة الّتي يبديها إزاء هذه المزالق والإغراءات ، أمّا ثغور سلطة الشياطين على الإنسان فهي لا تتعدّى نطاق الإثارة والوسوسة ، ومن ثَمَّ فهي تدعوه إلى القبائح ، بَيدَ أنّ قدرتها لا تمتد لإجباره على اقترافها . [١] على ضوء هذه الإيضاحات ، فإنَّ ما ينبغي دراسته على هذا الصعيد ، مسألتان: الاُولى : تصفيد الشياطين وغلّها في شهر رمضان . الثانية : البحث عن العوامل الكامنة وراء اجتراح الخطايا وظهور الذنوب في هذا الشهر ، على الرغم من تصفيد الشياطين وغياب دورها الإغوائي .
١ . علّة تصفيد الشياطين في شهر رمضان
تفيد عملية دراسة النصوص الإسلامية وتحليلها ، وجود علّتين لغلّ الشياطين ومنعها في شهر رمضان ، على النحو الّذي تأتي فيه العلّة الثانية في طول العلّة الاُولى . وهاتان العلّتان هما :
العلّة الاُولى : الممانعة الطبيعية للصيام
يُزيل الصوم على نحو طبيعي الأرضية الّتي تتحرّك عليها سلطة الشيطان للتأثير على الإنسان وإغوائه ، وبتعبير أدقّ ليست السلسلة الّتي تقيّد الشيطان وتغلّه في شهر رمضان سوى الصوم نفسه ، ومن هنا ما جاء عن النَّبي في قوله صلى الله عليه و آله : « إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجوعِ ». [٢] فهذا الحديث يدلّ بوضوح على أنَّ الصوم يمنع سلطة الشيطان عن الإنسان على نحو طبيعي .
[١] سنعرض للبحث في جواب هذه الأسئلة ، وندرس جوانب هذا الموضوع تفصيلاً ، في مدخل عنوان « الشيطان » من موسوعة ميزان الحكمة إن شاء اللّه تعالى .[٢] «وَ قَالَ الشَّيْطَـنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَ عَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُم» ( إبراهيم : ٢٢ ) .[٣] إحياء علوم الدين : ج ١ ص ٣٤٧ ، صحيح البخاري : ج ٦ ص ٢٦٢٤ ح ٦٧٥٠ وليس فيه ذيله .[٤] عيون الحكم والمواعظ : ص ٤٩٤ ، غرر الحكم : ح ٩٩٤٤ وفيه « أشر» بدل « أسر» .[٥] للاطّلاع على المزيد من هذه الروايات ، راجع : شهر اللّه في الكتاب والسنّة ص ٨٨ (بركات ضيافة اللّه / الحكمة) و(التقرّب إلى اللّه ) ، وص ٨٩ ، ح ١٧٦ و ١٧٧ وص ٩٣ ، ح ١٩٩ و ح ٢٠٢ .[٦] إحياء علوم الدين : ج ٣ ص ١٢٤ ؛ المحجّة البيضاء : ج ٥ ص ١٤٦ .[٧] كذا في المصدر والقياس : « تَصْفُ » .[٨] إحياء علوم الدين : ج ٣ ص ١٢٩ ؛ المحجّة البيضاء : ج ٥ ص ١٥٤ .