مراقبات شهر رمضان - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥١
كَلامٌ في شَرحِ حَديثِ «الصَّومُ لي»
قال أبو حامدٍ الغزّالي في شرح الحديث : إنّما كانَ الصومُ للّه ِ ومشرّفا بالنسبةِ إليهِ ـ وإن كانت العبادات كلّها له كما شرّف البيت بالنسبةِ إليهِ والأرض كلّها له ـ لمعنيين : أحدهما : أنّ الصوم كفّ وترك ، وهو في نفسه سرّ ليس فيه عمل يشاهد ، فجميع الطاعاتِ بمشهد من الخلق ومرأى ، والصوم لا يعلمه إلاّ اللّه تعالى ؛ فإنّه عمل في الباطن بالصبر المجرّد . والثاني : أنّه قهرٌ لعدوّ اللّه ؛ فإنّ وسيلة الشيطان ـ لعنه اللّه ـ الشهوات ، وإنّما يقوى الشهوات بالأكل والشرب ؛ ولذلك قال صلى الله عليه و آله : «إنَّ الشَّيطانَ لَيَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ ؛ فَضَيِّقوا مَجارِيَهُ بِالجوعِ» ... فلمّا كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدّا لمسالكه وتضييقا لمجاريه ، استحقّ التخصيص بالنسبة إلى اللّه ؛ ففي قمع عدوّ اللّه نصرة للّه ، ونصرة اللّه للعبد موقوفة على النصرة له ؛ قال اللّه : «إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» [١] ؛ فالبداية بالجهدِ مِنَ العَبدِ ، والجزاء بالهداية مِنَ اللّه ِ ؛ ولذلكَ قالَ : «وَ الَّذِينَ جَـهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» [٢] ، وقالَ : «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ» [٣] ؛ وإنّما التغيير بكسر الشهواتِ ، فهي مرتعُ الشياطين ومرعاهم ، فما دامت مخصبة لم ينقطع تردّدهم ، وما داموا يتردّدون فلا ينكشف
[١] محمّد : ٧ .[٢] العنكبوت : ٦٩ .[٣] الرعد : ١١ .