مراقبات شهر رمضان - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٩
إنَّ السلسلة الّتي ينطوي عليها الصوم لا تقتصر على تصفيد الشيطان وحدَه ، بل تتخطّى ذلك إلى احتواء نوازع النفس الأمّارة وإلى أسرها ، ممّا يؤدّي إلى ردع سلطتها على الإنسان ، وكما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « نِعمَ العَونُ عَلى أسرِ النَّفسِ وكَسرِ عادَتِهَا التَّجَوُّعُ » . [١] على هذا الأساس ، فإنَّ جميع الروايات الّتي جاءت تمتدح الجوع وتثني على دوره في بناء النفس وتربيتها ، إنّما تهدف بالحقيقة إلى إيجاد المانع الطبيعي الّذي يصدّ سلطة الشيطان على الإنسان ويحصنه من نوازع النفس الأمّارة وإغواءاتها ، كما تهدف أيضا تحرير قواه العقلية وإطلاق قابليّاته الإنسانية ، على ما يبدو ذلك واضحا من النموذجين الروائيين التاليين اللذين اخترناهما من بين هذا النمط من الروايات [٢] : عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « جاهِدوا أنفُسَكُم بِالجوعِ وَالعَطَشِ ، فَإِنَّ الأَجرَ في ذلِكَ كَأَجرِ المُجاهِدِ في سَبيلِ اللّه ِ » . [٣] وعنه صلى الله عليه و آله أيضا : « أحيوا قُلوبَكُم بِقِلَّةِ الضِّحكِ وقِلَّةِ الشِّبَعِ ، وطَهِّروها بِالجوعِ تَصفو [٤] وتَرِقّ » . [٥]
العلّة الثانية : اللطف الإلهي الخاص
بالإضافة إلى الرصيد الّذي يوفّره صوم شهر رمضان للصائمين طبيعيا ، متمثّلاً باحتواء سلطة الشيطان وردع إغواءاته عنهم ، فإنَّ هذه الممارسة العبادية تتحوّل
[١] عيون الحكم والمواعظ : ص ٤٩٤ ، غرر الحكم : ح ٩٩٤٤ وفيه « أشر» بدل « أسر» .[٢] للاطّلاع على المزيد من هذه الروايات ، راجع : شهر اللّه في الكتاب والسنّة ص ٨٨ (بركات ضيافة اللّه / الحكمة) و(التقرّب إلى اللّه ) ، وص ٨٩ ، ح ١٧٦ و ١٧٧ وص ٩٣ ، ح ١٩٩ و ح ٢٠٢ .[٣] إحياء علوم الدين : ج ٣ ص ١٢٤ ؛ المحجّة البيضاء : ج ٥ ص ١٤٦ .[٤] كذا في المصدر والقياس : « تَصْفُ » .[٥] إحياء علوم الدين : ج ٣ ص ١٢٩ ؛ المحجّة البيضاء : ج ٥ ص ١٥٤ .