مراقبات شهر رمضان - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢
للعبدِ جلال اللّه ، وكان محجوبا عن لقائه ؛ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : «لَولا أنَّ الشَّياطينَ يَحومونَ عَلى قُلوبِ بَني آدَمَ لَنَظَروا إلى مَلَكوتِ السَّماءِ» . فمن هذا الوجه صار الصوم بابَ العبادة وصارَ جُنّةً . [١] وفي النهاية لابن الأثير : قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأنّه لِمَ خَصّ الصومَ والجزاءَ عليه بنفسه عز و جل ، وإن كانت العبادات كُلّها له وجَزاؤها منه ؟ وذكروا فيه وجوها مدارُها كُلّها على أنّ الصوم سِرٌّ بين اللّه والعبد لا يَطَّلِع عليه سِواه ، فلا يكون العبدُ صائما حَقيقةً إلاّ وهو مُخلص في الطاعة . وهذا وإن كان كما قالوا ؛ فإنَّ غير الصَّوم من العبادات يشاركه في سرّ الطاعة ، كالصلاة على غير طهارة أو في ثوبٍ نجس ، ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات الّتي لا يعرفها إلاّ اللّه وصاحبها . وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث : أنّ جميع العبادات الّتي يتقرّب بها العباد إلى اللّه عز و جل ـ من صلاة ، وحجّ ، وصدقة ، واعتكاف ، وتبتُّل ، ودعاء ، وقُربان ، وهَدي ، وغير ذلك من أنواع العبادات ـ قد عَبَدَ المشركون بها آلِهتَهم ، وما كانوا يتَّخذونه من دون اللّه أندادا ، ولم يُسمَع أنّ طائفة من طوائف المشركين وأرباب النِّحَلِ في الأزمان المُتَقادِمة عَبدت آلهتها بالصوم ، ولا تقرَّبت إليها به ، ولا عُرف الصوم في العبادات إلاّ من جهة الشرائع ، فلذلك قال اللّه عز و جل : «الصَّومُ لي وأنَا أجزي بِهِ» ؛ أي : لم يُشاركني أحدٌ فيه ، ولا عُبد به غيري ، فأنا حينئذٍ أجزي به وأتولَّى الجزاء عليه بنفسي ، لا أكِلُه إلى أحد من ملك مقرّب أو غيره على قدر اختصاصه بي . [٢]
[١] المحجّة البيضاء : ج ٢ ص ١٢٥ ؛ إحياء علوم الدين : ج ١ ص ٣٤٦ .[٢] النهاية : ج ١ ص ٢٧٠ .