مع الشيعة الاماميه في عقائدهم - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠ - الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ
الشيعة عند قولهم : إنّ وجود الإمام المعصوم لا بدّ منه بعد موت النبيّ يكون حافظاً للشريعة ومبيّناً أحكامها خصوصاً أحكام الموضوعات المتجدّدة ، حيث يقول : إنّ أهل السنّة لا يسلّمون أن يكون الإمام حافظاً للشرع بعد انقطاع الوحي ، وذلك لأنّه حاصل للمجموع ، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد ، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه ، والمحدّثون معصومون في حفظ الأحاديث وتبليغها ، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال[١] .
وهذا الرأي أغرب من سابقه وأضعف حجّة! فكيف يدّعي العصمة لهذه الطوائف مع أنّهم غارقون في الاختلاف في القراءة والتفسير ، والحديث والأثر ، والحكم والفتوى ، والعقيدة والنظر؟ ولو أغمضنا عن ذلك ، فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف ، خصوصاً على قول البعض بأنّ القول بالعصمة تسرّب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية؟
الثالث : قوله سبحانه : (وَإِذِ ابْتَلى إِبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ
والاستدلال بالآية على عصمة الإمام يتوقّف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية وأنّ المقصود منها غير النبوّة وغير الرسالة ، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي ، وأمّا الثاني فهو عبارة عن منصب إبلاغه إلى الناس .
والإمامة المعطاة للخليل في أُخريات عمره غير هذه وتلك; لأنّه كان نبيّاً ورسولا وقائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية ، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة ، وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوّة وقدرة ، ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث قوله سبحانه : (أمْ يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا
[١] ابن تيمية : منهاج السنّة كما في نظرية الإمامة : ١٢٠ . [٢] البقرة : ١٢٤ .