مع الشيعة الاماميه في عقائدهم - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٣ - السؤال الخامس القوانين الثابتة والحياة المتطوّرة
الجانب المتغيّر في الحياة الإنسانية :
إنّ للإنسان جانباً آخر في حياته لا يزال يتغيّر من حال إلى حال ، فمثل هذا يتطلّب تشريعات متغيّرة حسب تغيّره وتبدّله ، ومن حسن الحظّ أنّه ليس في الإسلام الخاتم تشريعٌ ثابتٌ لهذا الجانب من الحياة مظاهر حياته وقشورها لا جوهرها ، ولذلك لم يتدخّل فيه الإسلام تدخُّلا مباشراً ، بل ترك أمرها للمجتمع الإسلامي في ظلّ إطار خاص . وسوَّغ للمجتمع البشري إدارة شؤون حياته في مجال العمران والبناء وتطور وسائل الحياة المختلفة في مجال الثقافة والدفاع والاقتصاد في ظلّ إطار عام الذي يتجاوب مع التغيّر والتطوّر .
فترك للإنسان مجالاً متحرّكاً يختار به أيّ نوع من الألبسة والبناء والمعدّات والوسائل المختلفة ضمن شروط معلومة في الفقه الإسلامي ، ولأجل هذه المرونة في الإنسان نرى أنّه يتجاوب مع جميع الحضارات الإنسانية ، وما هذا إلاّ لأنّه لم يتدخّل في الجزئيات المتغيّرة إلاّ بوضع إطار خاصّ لا يمنع حرّيته ولا يزاحم التغيّر ، وهنا كلمة قيّمة للشيخ الرئيس ابن سينا نذكرها ، قال :
«يجب أن يفوّض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الاجتهاد; فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط ، وأمّا ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج وإعداد أهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ، ولا تفرض فيها أحكام جزئية; فإنّ في فرضها فساداً; لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات ، وفرض الكليّات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن ، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة»[١] .
نعم إنّ عنوان مقتضى الزمان صار رمزاً لكلّ من أراد أن يتحرّر من القيم
[١] الشفاء ، قسم الإلهيات : ص٥٦٦ .