مع الشيعة الاماميه في عقائدهم - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٣ - الردّة بعد وفاة الرسول
بمجرّد الصحبة; وهي لقاء النبيـ صلى الله عليه وآله وسلم _ مؤمناً به ومات على الإسلام . وإنّ ذلك ليس كافياً في ثبوت العدالة بعد الاتّفاق على عدم العصمة المانعة من صدور الذنب ، فمن علمنا عدالته حكمنا بها وقبلنا روايته ، ولزمنا له من التعظيم والتوقير ، بسبب شرف الصحبة ونصرة الإسلام والجهاد في سبيل الله ما هو أهله ، ومن علمنا منه خلاف ذلك لم تقبل روايته ، أمثال مروان بن الحكم ، والمغيرة بن شعبة ، والوليد بن عقبة ، وبسر بن أرطاة وبعض بني أُميّة وأعوانهم ، ومن جهلنا حاله في العدالة توقّفنا في قبول روايته .
وممّا يمكن أن يذكر في المقام أنّ النبيّـ صلى الله عليه وآله وسلم _ توفّي ومن رآه وسمع عنه يتجاوز مائة ألف إنسان من رجل وامرأة على ما حكاه ابن حجر في الإصابة عن أبي زرعة الرازي : «وقيل مات ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي» ومن الممتنع عادة أن يكون هذا العدد في كثرته وتفرّق أهوائه وكون النفوس البشرية مطبوعة على حبّ الشهوات كلّهم قد حصلت لهم ملكة التقوى المانعة عن صدور الكبائر ، والإصرار على الصغائر بمجرّد رؤية النبيّـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والإيمان به ، ونحن نعلم أنّ منهم من أسلم طوعاً ورغبة في الإسلام ، ومنهم من أسلم خوفاً وكرهاً ، ومنهم المؤلّفة قلوبهم ، وما كانت هذه الأُمّة إلاّ كغيرها من الأُمم التي جبلت على حبّ الشهوات وخلقت فيها الطبائع القائدة إلى ذلك إن لم يردع رادع والكل من بني آدم ، وقد صحّ عنهـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال : «لتسلكنّ سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة حتّى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه» . ولو منعت رؤية النبيّـ صلى الله عليه وآله وسلم _ من وقوع الذنب لمنعت
من الارتداد الذي حصل من جماعة منهم كعبد الله بن جحش ، وعبيد الله بن خطل ، وربيعة بن أُمية بن خلف ، والأشعث بن قيس[١] وغيرهم . هذا مع ما شوهد
[١] الثلاثة الأوّلون ارتدّوا وماتوا على الردّة ، والأشعث ارتدّ فأُتي به إلى الخليفة أبى بكر أسيراً فعاد إلى الإسلام وزوّجه أُخته ، وكانت عوراء ، فأولدها محمّداً أحد قتلة الحسين_ عليه السلام_ .