مع الشيعة الاماميه في عقائدهم - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٢ - السؤال الخامس القوانين الثابتة والحياة المتطوّرة
إنّ السؤال مبنيّ على أنّ الإنسان بفطرته وتركيبه يقع في مهبِّ التغيّر والتطوّر; فلا يبقى منه شيء عبْر القرون ، فكأنّ الإنسان الحالي غير الإنسان الغابر ، مع أنّها فكرة باطلة ، فلو كان هناك تغيّر فإنّما يعود هذا إلى غير الجانب الثابت من حياته .
٤ ـ إنّ في حياة الإنسان قضايا أخلاقية ثابتة عبر الزمان لا يتسرَّب إليها التغيير ككون الظلم قبيحاً والعدل حسناً ، وجزاء الإحسان بالإحسان حسناً وبالسيّئ قبيحاً ، والعمل بالميثاق حسناً ونقضه قبيحاً ، إلى غيرها من القضايا الأخلاقية الثابتة في حياة الإنسان . سواء قلنا بأنّها أحكام فطرية نابعة من الخلقة أو قلنا إنّ هناك عوامل عبر التاريخ رسخت هذه المفاهيم في ذهن الإنسان; فإنّ الاختلاف في جذور تلك المُثُل لا يضرّ بما نحن بصدده; لأنّها على كلّ تقدير ثابتة في حياة الإنسان ، والتشريع الموضوع وفقها يتمتّع بالثبات .
إنّ هناك موضوعات في الحياة الإنسانية لم تزل ذات مصالح ومفاسد أبدية ، فما دام الإنسان إنساناً فالخمر يزيل عقله والميسر ينبت العداوة في المجتمع ، والإباحة الجنسية تفسد النسل والحرث مدى الدهور والأجيال ، فبما أنّ هذه القضايا قضايا ثابتة في حياته ، فالتشريع على وفقها يكون ثابتاً وفق ثباتها .
فهذه نماذج من الجانب الثابت من حياة الإنسان تناولناها لإيقاف القارئ على أنّ التغيّر في حياة الإنسان ليس أمراً كلّياً ولا يتسرَّبُ إلى أعماق حياته ، وإنّما التغيّر يرجع إلى صور من حياته فالتغيّر ـ كما سيوافيك بيانه ـ إنّما يكون مثلاً في المواصلات ، وفي التكتيك الحربي ، وفي طراز البناء وأشكاله ، وفي معالجة الأمراض وغيرها ، فأين مثل هذا التغيّر من حرمة الظلم ، ووجوب العدل ، ولزوم أداء الأمانات ، ودفع الغرامات ، ولزوم الوفاء بالعهد والأيمان ، وتكريم ذوي الحقوق إلى غير ذلك من القوانين الثابتة الموضوعة على غرار الفطرة مبنياً على الجانب الثابت من حياته فهو يحتلّ مكان التشريع الدائم .