الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ٤٧٦ - ذكر يوم أغواث
بحيال الميمنة كَبّر ، ثم حمل على ميسرة الفرس ، ثم رجع خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم ، وكان يقصف الناس قصفاً منكراً وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ، فقال بعضهم : هو من أصحاب هاشم أو هاشم بنفسه ، وكان سعد يقول : لولا محبس أبي محجن لقلت : هذا أبو محجن وهذه البلقاء . وقال بعض الناس : هذا الخضر ، وقال بعضهم : لولا أنّ الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك . فلما انتصف الليل وتراجع المسلمون والفرس عن القتال أقبل أبو محجن فدخل القصر وأعاد رجليه في القيد وقال :
لقد عَلِمَتْ ثقيفُ غير فخر * بأنا نحن أكرمهم سيوفاً وأكثرهم دروعاً سابغات * وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا وفدهم في كل يوم * فإن عموا فسل بهم عريفا وليلة قادس لم يشعروا بي * ولم أشعر بمخرجي الزحوفا فإنْ أحبس فذلكم بلائي * وإنْ أترك أذيقهم الحتوفا فقالت له سلمى : في أي شيء حبسك [ هذا الرجل ] ؟ . فقال : والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ولكنني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فقلت :
إذا مت فادفِني إلى أصل كرمة * تروّى عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها فلذلك حبسني . فلما أصبحتْ ألَت سعداً فصالحته وكانت مغاضبة له ، وأخبرته بخبر أبي محجن فأطلقه فقال : أذهبْ فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله . قال : لا جَرَم [ والله ] لا أجيب لساني إلى [ صفة ] قبيح أبداً !