الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ٤٤٣ - ذكر وقعة قس الناطف
إني مُكَبِّرٌ ثلاثاً فتهيأوا ثم أملوا في الرابعة . فلما كبّر أول تكبيرة أعجلتهم فارس وخالطوهم [ مع أول تكبيرة ] ، وركدت خيلهم وحربهم ملياً فرأي المثنى خللاً في بني عجل فجعل يمد لحيته لما يري منهم وأرسل إليهم يقول : الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول : لا تفضحوا المسلمين اليوم . فقالوا : نعم ، واعتدلوا فضحك فرحاً .
فلما طال القتال واشتد . قال المثنى لأنس بن هلال النمري : إنّك امرؤٌ عربي وإنْ لم تكن على ديننا فإذا حملتُ على مهران فاحمل معي . فأجابه فحمل المثنى على مهران فأزاله حتى دخل في ميمنته . ثم خالطوهم ، واجتمع القلبان ، وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل لا يستطيعون أنْ يفرغوا لنصر أميرهم لا المسلمون ولا المشركون ، وارتث مسعود أخو المثنى يومئذ وجماعة من أعيان المسلمين ، فلما أصيب مسعود تضعضع من معه ، فقال : يا معشر بكر ارفعوا رايتكم رفعكم الله ولا يهولنكم مصرعي ! وكان المثنى قال لهم : إذا رأيتمونا أصِبْنَا فلا تدعوا ما أنتم فيه ، ألزموا مصافكم وأغنوا غناء من يليكم .
وأوجع قلب المسلمين في قلب المشركين ، وقَتَل غلامُ نصراني من تغلب مهران واستوى على فرسه ، فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله ، وكان التغلبي قله جلب خيلاً هو وجماعة من تغلب ، فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب ، قال : وأفنى المثنى قلب المشركين والمجنبات بعضها يقاتل بعضاً ، فلما رأوه قد أزال القلب وأفنى أهله وَثَب مجنبات المسلمين على مجنبات المشركين ، وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم ، وجعل المثنى والمسلمون في القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل إليهم من يذمرهم ويقول لهم : ( عاداتكم في أمثالهم انصروا الله ينصركم له ، حتى هزموا الفرس ، وسبقهم المثنى إلى الجسر وأخذ طريق الأعاجم فافترقوا