تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٦١ - ٩٢٨٥ ـ شاعر من الماذرائيين الكتاب الذين كانوا بمصر
مستتر عن دين [قد ركبه] وقال لي : قد خرج لك أكثر الحديث ، فإن عذرت ، وإلا ذكرت الحال لتعرفها على صورتها ، فتبينت ما يؤثره من كتمان نفسه ، فقلت له : يا سيدي ، كل ما لا يتعرف بك نكرة ، وقد أغنت المشاهدة عن الاعتذار ، ونابت الخبرة عن الاستخبار ، وجاء الخادم ببردعة فرشها بازاء بردعته فنهضت إليها وقام يتفقد أمري بنفسه وغلب عليّ النوم إلى أن أيقظني هو السحر ، فأردت توديعه وحاذرت إزعاجه ، فخرجت ، ولقيني الخادم يريد إنباهه ، وتعريفه انصرافي ، فأقسمت عليه أن لا يفعل ، ووجدت غلامي قد بكر بالدابة كما أمرته ، فركبت منصرفا ومحدثا نفسي بالعودة إليه والتوفر على مواصلته وأخذ الحظ منه ، ومتوهما أن ما كنت فيه مناما [١] لطيبه وقرب أوله من آخره ، واعترضتني أشغال أدت إلى اللحاق بحضرة سيف الدولة فسرت على أتم حسرة بما فاتني من لقائه ومعرفة حقيقة خبره وقلت في ذلك :
| ويوم كأن الدهر سامحني [٢] به | فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر | |
| جرت فيه أفراس الصبا بارتياحنا | إلى دير مران المعظم والعمر | |
| بحيث هواء الغوطتين معطر ال | نسيم بأنفاس الرياحين والزهر | |
| فمن روضة بالحسن ترفد روضة | ومن نهر بالفيض يجري على نهر | |
| وأهدت لي الأيام فيه مودة | دعتني في ستر فلبيت في ستر | |
| أتى من شريف الطبع أصدق رغبة [٣] | تخاطبني من منطق النظم والنثر | |
| فكان جوابي طاعة لا مقالة | ومن ذا الذي لا يستجيب إلى اليسر | |
| فلاقيت ملء [٤] العين نبلا وهيئة | محلّى السجايا بالطلاقة والبشر | |
| فأحشمني بالبر حتى ظننته | يريد اختداعي عن جناني ولا أدري | |
| ونزه عن غير الصفاء اجتماعنا | فكنت وإياه كقلبين في صدر | |
| مضى وكأني كنت فيه مهوّما [٥] | يحدث عن طيف الخيال [٦] الذي يسري |
[١] بالأصل : منام.
[٢] بالأصل : سامحنا ، والمثبت عن يتيمة الدهر.
[٣] بالأصل : أنت من شريف الطبع أصدر رغبة.
[٤] بالأصل : «مكر العين» والمثبت عن يتيمة الدهر.
[٥] بالأصل : «مهموما» والمثبت عن يتيمة الدهر ، والتهوم : النوم القليل.
[٦] بالأصل : الجبال ، والمثبت عن يتيمة الدهر.