تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢١٤ - ٩٢١٤ ـ رجل من الفصحاء
بما فيها فتذمّ ولكن إنّما جهرت به ، فأخذها من أخذها بذلك وهي عليه ، وتركها من تركها لذلك وهي له ، وإنّ الدنيا نادت أهلها بأنها تاركة من أخذها ومفارقة من صحبها ، ومخربة عمران من عمرها ، فمن زرع فيها شرورا [١] حصد حزنا ، ومن أبرّ فيها هوى اجتنى ندامة ، وإنما هي لمن زهد فيها اليوم وأعرض عنها وآثر الحق عليها ، وأخذها من أخذها بعد البيان منها والإخبار عن نفسها ، فغرّ نفسه وسماها غرّارة وكذّب نفسه وسماها كذابة ، وزهد فيها آخرون فصدّقوا مقالتها ، ورأوا آثارها في فعالها فأخذوا منها قليلا ، وقدّموا فيها كثيرا ، وسلموا من الباطل ، وصارت لهم عونا على الحق في غيرها ، فلم تحمد بإحسان من أحسن فيها وهي له ، وذمّت بإساءة من أساء فيها وهي عليه ، فأنت أحق بإساءتك فيها إذ كان الإحسان لك دونها ، فأطرق هشام يفكّر في كلامه وامّلس الرجل فلم يره.
قال القاضي [٢] : من أبر فيها هوى أي لقح ، يقال : أبرت النخل وأبرته إذا لقحته [٣] ومنه قول النبي ٦ : «من باع نخلا مؤبرا» [١٣٦٨٦] وقوله : سكة مأبورة ، وقال الشاعر [٤] :
| لا تأمنن قوما وترتهم | وبدأتهم بالغشم والظلم | |
| أن يأبروا نخلا لغيرهم | والشيء تحقره وقد ينمي |
وقوله : فاملس معناه زال عن موضعه بسهولة ، وهو مأخوذ من الملاسة ، يقال : أملس من كذا وتملّس أي زال بسرعة لملاسة موضعه وأنه ليس فيها أجزاء لها نتوء ونبوّ وتضاريس ويقال في هذا المعنى انملص وتملّص ، وكأنه من الدحض والزلق ؛ ويقال : إنّ هذا الوجه أفصح الكلامين ومنه انملصت المرأة فأزلقت إذا أسقطت جنينها ، ومنه الخبر الوارد أن النبي ٦ قضى في إملاص المرأة [بغرّة][٥] عبد أو أمة ، وذلك إذا ضربت فأسقطت جنينا ميتا.
وهذا الخبر مما ينبه على الحذر من غرور الدنيا ، وقال الله تعالى ذكره : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ)[٦].
[١] تحرفت بالأصل إلى : سرورا.
[٢] يعني المعافى بن زكريا الجريري ، صاحب كتاب الجليس الصالح الكافي.
[٣] كذا بالأصل ، وفي الجليس الصالح : ألقحته.
[٤] نسبها بحواشي الجليس الصالح إلى : الحارث بن وعلة.
[٥] زيادة عن الجليس الصالح.
[٦] سورة فاطر ، الآية : ٥.