تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٠٧ - ٩٢٠٦ ـ رجل من جلساء هشام بن عبد الملك
هشام : إنّه ليبلغني من ذلك العجب ، فقال بعض جلسائه أنا أحدثكم عما بلغني من ذلك ، بلغني أن رجلا من بني يشكر يقال له غسان بن [١] جهضم بن العذافر ، كانت تحته ابنة عمّ له يقال لها أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر ، وكان لها محبّا ، وكانت له كذلك ، فلمّا حضره الموت ، وظنّ أنه مفارق الدنيا قال ثلاثة أبيات ، ثم قال لها : يا أم عقبة ، اسمعي ما أقول ، وأجيبيني بحقّ ، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك بعد ما تواريني التراب ، فقالت : قل ، فو الله لا أجيبك بكذب ولأجعلنّه آخر حظك مني ، فقال وهو يبكي بكاء يكاد يمنعه الكلام :
| أخبريني ما ذا تريدين بعدي | والذي تضمرين يا أم عقبه | |
| تحفظيني من بعد موتي لما قد | كان مني من حسن خلق وصحبه | |
| أم تريدين ذات جمال ومال | وأنا في التراب في سجن غربه |
فأجابته ببكاء وانتحاب :
| قد سمعنا الذي تقول وما قد | خفته يا غسان من أم عقبه | |
| أنا من أحفظ النساء وأرعاه | لما قد أوليت من حسن صحبه | |
| سوف أبكيك ما حييت بشجوّ | ومراثي أقولها وبندبه |
قال : فلما قالت ذلك ، طابت نفسه ، وفي النفس ما فيها فقال :
| أنا والله واثق بك لكن | ربما خفت منك غدر النساء | |
| بعد موت الأزواج يا خير من عو | شر فارعي حقي بحسن الوفاء | |
| إنني قد رجوت أن تحفظي العه | د فكوني إن مت عند الرجاء |
ثم اعتقل لسانه ، فلم ينطق حتى مات ، فلم تلبث بعده إلّا قليلا حتى خطبت من كل جانب ، ورغب فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها ، من العقل والجمال والعفاف والحسب ، فقالت مجيبة لهم :
| سأحفظ غسانا على بعد داره | وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر | |
| وإني لفي شغل عن الناس كلهم | فكفوا ، فما مثلي بمن مات يغدر | |
| سأبكي عليه ما حييت بعبرة | تجول على الخدين مني فتكثر |
فأيس الناس من إجابتها ، فلما مرت بها الأيام نسيت عهده ، وقالت : من مات فقد
[١] بالأصل : من.