تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٦٢ - ٨٩٩٦ ـ حواريو عيسى ابن مريم
أعينكم ، أصبحت الدنيا عندكم بمنزلة العروس المجلية [١] ، يعشقها كل من رآها وهي بمنزلة الحية ليّن مسها تقتل بسمّها.
يا معشر الحواريين ، ليكن همّكم من الدنيا أنفسكم تفوزوا بها ، ولا تكن [٢] همتكم بطونكم وفروجكم ، تضمروا من الطعام وتملّوا من الحكمة.
يا معشر الحواريين لو توكّلتم على الله حقّ توكّله لأتاكم بالرزق كما يأتي الطير رزقه في جو السماء تغدو خماصا [٣] وتروح بطانا.
يا معشر الحواريين ، هل تستطيعون أن تعبدوا زين يعني الدنيا والآخرة ، من طلب الدنيا ترك الآخرة ، ومن طلب الآخرة ترك الدنيا ، ... [٤] الشعير وملح الجريش [٥] ، واخرجوا من الدنيا سالمين.
يا معشر الحواريين ، قد تنطحت لكم الدنيا فجعلتكم فوقها ، فليس بنار علم فيها إلّا اثنان الملوك والنساء ، أما الملوك فإن لم تنازعوهم [٦] في دنياهم لم ينازعوكم في دينكم ، وأما النساء فاستعينوا عليهن بالصيام ، واعلموا أن النظر إلى النساء سهم من سهام إبليس مسموم ، وهو يزرع الشهوة في القلب ، وكفى بصاحبها خطيئة. إنما قتلت الملوك الأخيار لأنهم دعوهم إلى دنياهم فلم يجيبوهم ، وأظهروا الناس على عيوبهم ، فقالوا : نقتلهم فنستريح منهم.
يا معشر الحواريين ، لا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فينازعوكم دينكم ، فلا دنياهم أصبتم ولا على دينكم استبقيتم. يا معشر الحواريين تنطقوا ، بالحكمة التي جعل الله لكم في قلوبكم ، ولا تدنسوا أبدانكم بعرض الدنيا ... [٧] الدنيا لا تسروا ، واعلموا أن هذه الحكمة تنوّر القلوب إذا ما مسّها العمل ، فلا تفسدوا فتفسدوا الناس ، وإن مثل الحكيم الذي يعمل بحكمته كمثل الشمس تضيء [٨] للخلائق ولا تحرق نفسها ، وإن مثل الحكيم الذي لا يعمل
[١] العروس المجلية : جلا العروس على بعلها جلوة وكذلك اجتلاها أي عرضها عليه مجلوة ، وقد جليت على زوجها (تاج العروس).
[٢] بالأصل : يكن.
[٣] خمص البطن : خلا ، والمخمصة : المجاعة ، وقد خمصه الجوع خمصا ومخمصة (القاموس).
[٤] كلمة غير مقروءة بالأصل.
[٥] الجريش من الملح ما لم يطيّب ، وهو المتفتت كأنه قد حك بعضه بعضا (تاج العروس : جرش).
[٦] بالأصل : ينازعوهم.
[٧] غير مقروءة بالأصل.
[٨] بالأصل : يضيء.