الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٠٠ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
دينكم ذلك ، ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم ؟
أخبراني عن اللعن : فرض على العبادة ؟ قالا : نعم . فقال عمر : متى عهدك بلعن فرعون ؟ قال :
ما لي به من عهد منذ زمان . قال عمر : هذا رأس من رؤوس الكفار ليس لك عهد بلعنه منذ زمان ، وأنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي ، ألستم أنتم الذين تؤمنون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفه ، وتخيفون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنه ؟
فقالا : نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة . فقال : بلى فسأخبركما عن ذلك ، ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والناس أهل كفر ، فدعاهم أن يقروا بالله ورسوله ، فمن أبى قاتله وخوفه ، ومن أقر بهما أمنه وكف عنه ، وأنتم اليوم من مر بكم يقر بهما قتلتموه ، ومن لم يقر بهما أمنتموه وخليتم سبيله ، فقال العربي : تالله ما رأيت حجيجا [١] أقرب مأخذا ، ولا أوضح منهاجا منك ، أشهد أنك على الحق ، وأنا على الباطل . وقال الآخر : لقد قلت قولا حسنا ، وما كنت لافتات على أصحابي حتى ألقاهم فلحق بأصحابه ، وأقام الآخر عند عمر ، فاجرى عليه العطاء والرزق حتى مات عنده .
وفاة عمر بن عبد العزيز قال : وذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن أبي زكريا : أما بعد : فإذا نظرت في كتابي فأقدم : فقدم عليه فقال : مرحبا بابن أبي زكريا . قال . وبك يا أمير المؤمنين . قال : حاجة لي قبلك . قال : بين الأنف والعين حاجتك يا أمير المؤمنين ، إن قدرت عليها . قال : لست أكلفك إلا ما تقدر عليه . قال :
نعم ، قال : أحب أن تثنى على الله بمبلغ علمك ، حتى إذا فرغت سألت الله أن يقبض عمر .
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، بئس وافد أمة محمد أنا ، هذا لا يحل لي . قال : فإني أعزم عليك بحق الله وبحق رسوله ، وبحقي إن كان لي عليك حق إلا ما فعلته ، فبكى ثم استرجع ، ثم أقبل يثني على الله ، وإنه ليبكي حتى إذا فرغ قال : اللهم إن عمر سألني بحقك وبحق رسولك وبحقه علي أن أدعو في قبضه إليك ، فاقبض عمر إليك كما سأل ولا تبقني بعده ، وجاء حينئذ بني لعمر فسقط في حجره ، فقال : وهذا أي ربي معنا فإني أحبه . قال : فما كانوا إلا كخرزات في خيط فانقطع الخيط ، فأتبع بعضها بالسقوط بعضا [٢] .
ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز قال : وذكروا عن مزاحم مولى عمر قال : أخبرتني فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر
[١] الحجيج : صيغة مبالغة أي محاجا قوي الحجة
[٢] أي ماتوا متتابعين بعضهم بعد بعض