الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٦ - موت عبد الملك وبيعة الوليد
عبد الملك إليه : مالك ولسعيد ، وما كان علينا منه أمر نكرهه ، وما كان حاجتك أن تكشف عن سعيد ، أو تأخذه ببيعة ، ما كنا نخاف من سعيد ؟ فأما إذ قد ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس ، فادعه إلى البيعة ، فإن أبى فاجلده مئة سوط : أو احلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما لا يجترئ علينا أحد غيره . قال : فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام ، فانطلق سعيد إليه ، فلما أتاه دعاه إلى البيعة ، فأبى أن يجيبه ، فألبسه ثيابا من شعر ، وجرده وجلده مئة سوط ، وحلق رأسه ولحيته ، وأوقفه في السوق ، وقال لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض الأيليين [١] الذين كانوا في الشرطة بالمدينة : لما علمنا أنه لا يلبس الثياب طائعا قلنا له : يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك قال فلبس فلما تبين له أنا خدعناه قال : يا معلجة [٢] أهل أيلة ، لولا أني ظننت أنه القتل ما لبسته . قال : فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب ، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر الله ، حي إذا وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك ، أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحول عنه ففعل ذلك به ، فقال سعيد : إنما هي ثلاث ، وأشار بيده . قال : فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام .
موت عبد الملك وبيعة الوليد قال : وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة ، جمع بنيه وقال لهم : اتقوا الله ربكم ، وأصلحوا ذات بينكم ، وليجل صغيركم كبيركم ، وكبيركم صغيركم ، انظروا أخاكم مسلمة ، فاستوصوا به خيرا ، فإنه شيخكم ومجنكم الذي به تستجنون ، وسيفكم الذي به تضربون ، أوصيكم به خيرا ، وانظروا ابن عمكم عمر بن عبد العزيز ، فاصدروا عن رأيه ، ولا تخلوا عن مشورته اتخذوه صاحبا لا تجفوه ، ووزيرا لا تعصوه ، فإنه من علمتم فضله ودينه ، وذكاء عقله ، فاستعينوا به على كل مهم ، وشاوروه في كل حادث . قال : ثم دخل عليه خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان . فقال لهما : أتحبان أن أسألكما بيعة الوليد وسليمان ؟ فقالا : يا أمير المؤمنين ، معاذ الله من ذلك . قال : فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه ، فأخرج من تحته سيفا مصلتا . فقال لهما : والله لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف ، ثم خرجا من عنده ، ودخل عليه عمر بن عبد العزيز . فقال عبد الملك : يا أبا حفص استوص خيرا بأخويك
[١] الأيليون : نسبة إلى أيلة وهي بلد بين ينبع ومصر
[٢] المعلجة : الأعاجم الذين ليسوا عربا