الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٩ - حرب ابن الزبير رضي الله عنهما
يدي ، وقد برئت مني الذمة ، إنما نزلت بعد الله وميثاقه . قال : لا ، والله حتى أقدمك إلى النار . قال : فضرب عنقه . ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي ، وكان جالسا في بيته ، فأتاه مئة رجل من قومه ، فقالوا له اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه . فقال لهم : إني قد قلت له قولا ، وأنا أتخوف ، فقالوا : لا ، والله لا يصل إليك أبدا ، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا ، وحبسوا الآخرين ، وأغلقوا الباب ، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال : إني أرى شيخا قد تعب وعطش ، أسقوه من البلح الذي زودني به أمير المؤمنين ، قال : فخاضوا له بلحا بعسل فشربه . قال له : أشربت ؟ قال : نعم ، قال : والله لا تبولها من مثانتك أبدا ، أنت القائل :
اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم . فقال معقل : أما والله لقد تخوفت ذلك منك ، وإنما غلبتني عشيرتي . قال : فجعل يفري جبة كانت عليه ، وقال : أكره أن يلبسوها ، فضرب عنقه ، ثم سار إلى مكة ، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف ، فدعا الحصين بن نمير . فقال له :
يا بن برذعة الحمار ، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك ، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك ، أتسمع ؟ قال : نعم ، قال : لا تكونن إلا على الوقاف ، ثم الثقاف [١] ، ثم الانصراف ، ولا تمكن قريشا من أذنك . ثم مات مسلم بن عقبة ، فدفن بقفا المشلل ، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة بأستار ، فخرجت إليه فنبشته من قبره ، ثم أحرقت عليه بالنار ، وأخذت أكفانه فشقتها ، وعلقتها بالشجرة ، فكل من مر عليه يرميه بالحجارة ، وسار الحصين حتى جاء مكة ، فدعاهم إلى الطاعة ، وعبد الله بن الزبير يؤمئذ بمكة ، فلم يجبه ، فقاتله ، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير ، ورجلان من إخوته ، ومصعب بن عبد الرحمن ، والمسور بن مخرمة .
حرب ابن الزبير رضي الله عنهما قال : وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة ، مضى إلى مكة المشرفة ، يريد ابن الزبير ، حتى إذا كان بقديد ، حضرته الوفاة ، فدعا الحصين بن نمير .
فقال له : إن أمير المؤمنين عصاني فيك ، فأبى إلا استخلافك بعدي ، فلا ترسلن بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك ، إنما هو الوقاف ، ثم الثقاف ، ثم الانصراف . وهلك مسلم بن عقبة ، فدفن بالثنية . قال : وسمع بهم عبد الله بن الزبير ، فأحكم مراصد مكة ، فجعل عليها
[١] الوقاف : بكسر الواو : الوقوف للحرب ، والثقاف : الخصام والمجالدة ، يريد لا تكن إلا على الحرب ولا تكن على المهادنة أو تنصرف .