الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥ - قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله
أعرج ، فجعل يسير قليلا ويقف ، ويقول : ما لي أذهب إلى ابن زياد ؟ فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه . فقال له عبيد الله بن زياد : يا هانئ ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال : بلى ، قال : ويدي ؟ قال : بلى ، فقال يا هانئ : قد كانت لكم عندي يد بيضاء ، وقد أمنتك على نفسك ومالك ، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ ، فضرب بها وجهه حتى كسرها ، ثم قدمه فضرب عنقه . قال : وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل ، فخرج عليهم بسيفه ، فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر ، فلما أسر بعث الرجال ، فقال : اسقوني ماء . قال : ومعه رجل من بني أبي معيط ، ورجل من بني سليم يقال له : شهر بن حوشب . فقال له شهر بن حوشب :
لا أسقيك إلا من البئر . فقال المعيطى : والله لا نسقيه إلا من الفرات ، قال : فأمر غلاما له ، فأتاه بإبريق من ماء ، وقدح قوارير ومنديل . قال : فسقاه فتمضمض مسلم ، فخرج الدم ، فما زال يمسح الدم ، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال : أخروه عني . قال : فلما أصبح دعا به عبيد الله بن زياد وهو قصير ، فقدمه لتضرب عنقه ، فقال : دعني حتى أوصي ، فقال : أوص .
فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد : ما أرى هاهنا من قريش غيرك ، فادن مني حتى أكلمك ، فدنا منه ، فقال له : هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم ، واكتب إليهم بما أصابني . قال : فضرب عنقه وألقاه عمرو لعبيد الله وقال : أتدري ما قال ؟ فقال عبيد الله اكتم على ابن عمك . فقال عمرو : هو أعظم من ذلك ، فقال ابن زياد : فأي شئ هو ؟ قال :
أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل . وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة . فقال : أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك .
قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله قال : وذكروا أن عبيد الله بن زياد ، بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد ، وقد جاء الحسين الخبر ، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له : أترجع وقد قتل أخونا ، وقد جاءك من الكتب ما نثق به ؟ فقال لبعض أصحابه : والله ما لي عن هؤلاء من صبر ، يعني بني عقيل . قال : فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع ، فلقوهم وليس معهم ماء . فقالوا : يا بن بنت رسول الله اسقنا . قال : فأخرج لكل فارس صحفة من ماء ، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم . ثم قالوا : سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما زالوا يرجونه ، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء ، فقال الحسين : أي أرض هذه ؟ قالوا : كربلاء ، قال : هذا كرب وبلاء . قال : فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة ، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم