الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥٤ - فتح هوارة وزناته وكتامة - فتح صنهاجة
ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى ، وعلى ما كتب به .
فلما قدم الرسول على موسى : دفع إليه ما ذكر ، وزاده ألفا للوفاء .
فتح هوارة ، وزناتة ، وكتامة قال : وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس ، فأغار عليهم وقتلهم وسباهم ، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس ، وكان عليهم رجل منهم يقال له كمامون ، فبعث به موسى إلى عبد العزيز في وجوه الأسرى ، فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة ، فسميت بركة كمامون . فلما أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح ، فقدم على موسى بوجوههم ، فصالحوهم وأخرجوهم ، وكانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته ، وولى عليهم رجلا منهم ، وأخذ منهم رهونهم ، وكتب أحدهم إلى موسى ، إنما نحن عبدانك ، قتل أحدنا صاحبه ، وأنا خير لك منه ، فلم يشك موسى أن ذلك إنما كان عن ممالاة من كتامة ، وقد كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا ، فأذن لهم . فلما أتاه ما أتاه تحقق ظنه فيهم ، وأنهم إنما هربوا ، فوجه الخيول في طلبهم ، فأتى بهم ، فأراد صلبهم . فقالوا : لا تعجل أيها الأمير بقتلنا حتى يتبين أمرنا ، فإن آباءنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا ، ونحن في يدك ، وأنت على البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القتل ، فأوقرهم حديدا ، وأخرجهم معه إلى كتامة ، وخرج هو بنفسه . فلما بلغهم خروج موسى ، تلقاه وجوه كتامة معتذرين ، فقبل منهم ، وتبينت له برأتهم ، واستحيا رهونهم .
فتح صنهاجة قال : وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى ، فقالوا له : إن صنهاجة بغرة منهم وغفلة ، وإن إبلهم تنتج ، ولا يستطيعون براحا ، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف من أهل الديوان ، وألفين من المتطوعة ، ومن قبائل البربر ، وخلف عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس ، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة ، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة ، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك ، فسار موسى حتى غشى صنهاجة ، ومن كان معها من قبائل البربر ، وهم لا يشعرون ، فقتلهم قتل الفناء ، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس ، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى ، ثم انصرف قافلا إلى القيروان ، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب ، فخرج نحو مما كان معه ، فالتقى المغيرة وصنهاجة ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم ، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا .