الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٦٩ - خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير
ابن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد ، يأمره بالتثبط [١] في مسيره ، وألا يعجل ، فإن الوليد بآخر رمقه . فلما أتى موسى بالكتاب من سليمان وقرأه ، قال : خنت والله وغدرت وما وفيت ، والله لا تربصت ولا تأخرت ولا تعجلت ولكني أسير بمسيري ، فإن وافيته حيا لم أتخلف عنه ، وإن عجلت منيته فأمره إلى الله . فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه فآلى سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه ، أو ليأتين علي نفسه [٢] . قال : فلما قدم موسى على الوليد وكان الوليد لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه ، وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره ، خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه ، وأنه أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر والطرائف التي لا قيمة لها ، فلم يكن لموسى شئ يثبطه حين أتاه كتاب الوليد ، فأقبل حتى دخل عليه ، وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد ، والوصفاء والوصائف والوشى ، ومائدة سليمان بن داود عليه السلام ، ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان . قال : فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت ، وعمد إلى أفخر ما فيها ، والتيجان والجزع ، فجعله في بيت الله الحرام ، وفرق غير ذلك ، ولم يلبث الوليد أن مات رحمه الله .
خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير قال : وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه ، بعث إلى موسى ، فأنى به ، فعنفه بلسانه ، وكان فيما قال له يومئذ : أعلي اجترأت ، وأمري خالفت ، والله لأقللن عددك ، ولأفرقن جمعك ، ولأبددن مالك ، ولأضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور ، وتخدعه من آل أبي سفيان ، وآل مروان ، فقال له موسى : والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب ، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك ، وحافظت على من ولي النعمة عندي فيه ، فأما ذكر أمير المؤمنين : من أنه يقل عددي ، ويفرق جمعي ويبدد مالي ، ويخفض حالي ، فذلك بيد الله ، وإلى الله ، وهو الذي يتول النعمة على الإحسان إلي ، وبه أستعين ، ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه ، ولم يبلغه ذنب اجترمته . فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه . قال : وكانت بموسى نسمة [٣] ، فلما أصابه حر الشمس ، وأتعبه الوقوف ،
[١] التمهل وعدم الإسراع .
[٢] ليأتين على نفسه : بزهق نفسه أي يقتله .
[٣] النسمة : الربو وهو مرض معروف من أمراض الصدر .