الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٦٧ - خروج موسى بن نصير من الأندلس - قدوم موسى إفريقية
قال : أقام موسى بقية سنته تلك ، وأشهرا من سنة أربع وتسعين ، ثم خرج وافدا إلى الوليد بن عبد الملك ، وكان ما أقام بها موسى عشرين شهرا ، واستخلف عبد العزيز بن موسى ، فجاز موسى البحر على الأندلس ، فغزا بالناس حتى بلغوا أربونة ، ومعه أبناء الملوك من الإفرنج ، وبالتيجان والمائدة والآنية والذهب والفضة ، والوصفاء والوصائف ، وما لا يحصى من الجواهر والطرائف ، وخرج معه بوجوه الناس . قال : وذكروا عن صفة المائدة عن عبد الحميد أنه قال كانت مائدة خوان ، ليست لها أرجل ، قاعدتها منها ، وكانت من ذهب وفضة خليطين ، فهي تتلون صفرة وبياضا ، مطوقة بثلاثة أطواق ، طوق لؤلؤ ، وطوق ياقوت ، وطوق من زمرد قال قلت : فما عظمها ؟ قال : كنا بموضع والناس معسكرون ، إذ فلت بغل لرجل من موالي موسى يقال له صالح أبو ريشة ، على رمكة [١] ، فكردها في العسكر ، فقام الناس إليه بأعمدة الأخبية ، وجال في العسكر جولة ، فتطلع موسى قال : ما هذا ؟ وتطلع الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة ، وقد أدلى [٢] ، فغار موسى وقال : احملوا عليه المائدة ، فلم يبلغ بها إلا منقلة [٣] حتى تفتخت قوائمه لكثرة ثقلها على هذا البغل القوي .
قدوم موسى أفريقية قال : وذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى ، أخبرهم أنه لما جاز موسى الحصن أمرهم بصناعة العجل [٤] ، فعملت له ثلاثون ومئة عجلة ، ثم حمل عليها الذهب والفضة والجواهر ، وأصناف الوشى الأندلسي ، حتى أتى أفريقية . فلما قدمها بقي بها سنة أربع وتسعين ، ثم قفل ، واستخلف ابنه عبد الله على أفريقية وطنجة والسوس ، وخرج معه ولده مروان بن موسى ، وعبد الأعلى بن موسى وعبد الملك بن موسى ، وخرج معه مئة رجل من أشراف الناس ، من قريش والأنصار وسائر العرب ومواليها ، منهم عياض بن عقبة ، وعبد الجبار بن أبي سلمة
[١] الرمكة : الفرس أو البغلة تتخذ للنسل ، وكردها طاردها وجرى وراءها يريد أن يقع عليها .
[٢] أدلى : انتصب ذكره متدليا .
[٣] المنقلة : هي انتقال الأقدام أي لم يبلغ بها إلا خطوة ، وتفتحت قوائمه استرخت أعصابها ولانت من ثفل المائدة .
[٤] العجل : أي العجلات وهي العربات .