الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤٧ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
آخر زمانها ، أن يكون إخوان العلانية ، أعداء السريرة ، ولست إن شاء الله من أولئك ، وليس هذا زمان ذلك ، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة ، والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض ، صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم . وكتبت تحذرني ما حذرت به الأمم من قبلي ، وقدما كان يقال : اختلاف الليل والنهار يقربان كل بعيد ، ويبليان كل جديد ، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار . وكتبت تتعوذ بالله أن ننزل كتابك سوء المنزل ، وأنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت وبررت ، فلا تدع الكتب إلي .
فإنه لا غنى بي عن ذلك ، والسلام .
اجمتاع أبي جعفر مع عبد الله بن مرزوق قال : وذكروا أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين لما حج ودخل في الطواف بالبيت الحرام ، أمر بالناس فنحوا عن البيت ، ثم طاف أسبوعه ، فوثب إليه عبد الله بن مرزوق ؟ وقال :
من جرأك على هذا ؟ فلببه بردائه وهزه . ثم قال له : من جعلك أحق بهذا البيت من الناس :
تحول بينه وبينهم ، وتنحيهم عنه ؟ فنظر أبو جعفر في وجهه ، فعرفه . فقال عبد الله بن مرزوق :
قال : نعم . فقال : من جرأك على هذا ؟ ومن أقدمك عليه ؟ فقال عبد الله بن مرزوق : وما تصنع بي ؟ بيدك ضر أو نفع ؟ والله ما أخاف ضرك ، ولا أرجو نفعك حتى يكون الله عز وجل يأذن لك فيه ، ويلهمك إلى فعله . فقال له أبو جعفر : إنك أحللت بنفسك وأهلكتها . فقال عبد الله بن مرزوق : اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته علي ، وإن كان بيده منفعتي فاقطع عني كل منفعة منه ، أنت يا رب بيدك كل شئ ، ومليك كل شئ ، فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد فسجنه بها . وكان يسجنه بالنهار ، ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ويسامره ، يلبث نهاره أجمع بالسجن ، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض عليه ، لئلا يجترئ الجاهل فيقول : قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا ، أفلا يسعني ؟ فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره ، وانقطع خبره ، ثم خلى سبيله ، فلحق بمكة ، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر ، وولى ابنه المهدي . فلما حج المهدي ، فعل مثل ذلك ، ففعل به عبد الله ابن مرزوق مثل ذلك أيضا ، فأراد قتله . فقيل له : يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك ، فكان من صنيعه أن حمله إلى بغداد ، فسجنه بالنهار ، وسامره بالليل ، وأنت أحق من أخذ بهديه ، واحتذى على مثاله ، وورث أكروماته ، فحمله المهدي معه ، فمات ببغداد ، رحمه الله .