الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٧٥ - ذكر قدوم موسى على الوليد
لأجل قدوم موسى ومن معه . فلما رآهم بهت إليهم ، وقال الناس : موسى ؟ موسى ، ثم أقبل حتى سلم على الوليد ، ووقف الثلاثون بالتيجان ، عن يمين المنبر وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد الله تعالى والثناء عليه ، والشكر لما أيده الله ونصره ، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله ، وأطال حتى فات وقت الجمعة ، ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس ، ثم دعا بموسى ، فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرات ، وأجازه بخمسين ألف دينار ، وفرض لولده جميعا في الشرف ، وفرض لخمس مئة من مواليه ، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر ، وملوك الروم ، وملوك الأشبان ، وملوك أفرنجة ، ثم أدخل عليه رؤس أهل البلاد ممن كان معه من قريش والعرب ، فأحسن جوائزهم ، وفرض لهم في الشرف ، ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما ، ثم إن الوليد هلك .
ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى قالوا : لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد ، فكان أحنق الناس على الحجاج وموسى بن نصير ، وكان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما ، وكان حنقه عليهما لأمر يطول ذكره . قال :
فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه ، فقال : إني صالب غدا موسى بن نصير ، فبعث عمر إلى موسى فأتاه . فقال له يا بن نصير ، إني أحبك لأربع . الواحدة : بعد أثرك في سبيل الله ، وجهادك لعدو الله . والثانية : حبك لآل محمد صلى الله عليه وسلم . والثالثة . حبك عياض بن عقبة لما تعلم من حسن رأيي فيه ، وكان عياض من عباد الله الصالحين ، والرابعة :
أن لأبي عندك يدا وصنيعة ، وأنا أحب أن تتم يده وصنيعته حيث كانت ، وقد سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا ، فأحدث عهدك [١] ، وانظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك ، فقال له موسى : قد فعلت ، وأسندت ذلك إليك . فقال له عمر : لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك ، ولكن أسند إلى من أحببت . فانصرف ، فلما أصبح اغتسل وتحنط وراح ، ولم يشك في الصلب . فلما انتصف النهار ، واشتد الحر ، وذلك في حمارة الصيف : دعا سليمان موسى : فأدخل عليه متبعا ، وكان بادنا جسيما ، به نسمة لا تزال تعرض [٢] . فلما وقف بين يديه : شتمه وخوفه وتوعده ، فقال له موسى : أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي ، ولا قدر
[١] أحدث عهدك : أكتب وصيتك حتى إذا مت كنت قد رتبت أمورك على ما تحب .
[٢] البادن : السمين كبير الجسم . والنسمة : الربو وقد مر ذكرهما .