الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٦٦ - خروج موسى بن نصير من الأندلس - قدوم موسى إفريقية
الحصن الآخر ، نزلوا على حكمه ، ففتحهما موسى في يوم واحد . فلما كان في اليوم الثاني ، أتى حصنا ثالثا ، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا ، حتى جال المسلمون جولة واحدة . قال :
فأمر موسى بسرادقه فكشط [١] عن نسائه وبناته حتى برزن . قال : فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى ، وحمى المسلمون ، واحتدم القتال ، ثم إن الله فتح عليه ونصره ، وجعل العاقبة له .
وقال عبد الرحمن بن سلام : كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها . فلم ترد له راية قط ، ولا هزم له جمع قط ، حتى مات .
وقال ابن صخر : لما قدم موسى الأندلس قال أسقف من أساقفتها . إنا لنجدك في كتب الحدثان ، عن دانيال . بصفتك صيادا تصيد بشبكتين ، رجل لك في البر ، ورجل في البحر ، تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد . قال : فسر بذلك موسى وأعجبه .
وقال عبد الحميد بن حميد ، عن أبيه : إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة ، اشتد ذلك على الناس وقالوا : أين تذهب بنا ؟ حبنا ما في أيدينا ، وكان موسى قال : حين دخل أفريقية ، وذكر عقبة بن نافع : لقد كان غرر بنفسه حين وغل في بلاد العدو ، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه ، أما كان معه رجل رشيد ؟ فسمعه حبيش الشيباني قال : فلما بلغ موسى ذلك المبلغ ، قام حبيش فأخذ بعنانه . ثم قال أيها الأمير ! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول : لقد غرر بنفسه وبمن معه ، أما كان معه رجل رشيد ؟ وأنا رشيدك اليوم ، أين تذهب ؟ تريد أن تخرج من الدنيا ، أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عز وجل ، وأعرض مما فتح الله عليك ، ودوخ لك ، إني سمعت من الناس ما لم تسمع ، وقد ملأوا أيديهم ، وأحبوا الدعة . قال : فضحك موسى ثم قال : أرشدك الله ، وكثر في المسلمين مثلك . ثم انصرف قافلا إلى الأندلس فقال موسى يومئذ : أما والله لو انقادوا إلي لفدتهم إلى رومية ، ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله .
خروج موسى بن نصير من الأندلس قال : وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم ، وكان مع موسى بن نصير بالأندلس .
[١] السرادق : القبة التي كانت مضروبة على نسائه وبناته وكشط أزيح وطوى ، وهذا تحميس للرجال ولنفسه لأن المحارب إذا رأى نساءه وبناته أمامه خاف عليهن فحارب أشجع ما يكون .