الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٧٠ - عدة موالي موسى بن نصير
هاجت عليه . قال : وجعلت قرب العرق تنصب منه ، فما زال كذلك حتى سقط ، وعمر بن عبد العزيز حاضر ، إلى أن نظر سليمان إلى موسى ، وقد وقع مغشيا عليه . قال عمر بن عبد العزيز ما مر بي يوم كان أعظم عندي ، ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم ، لما رأيت من الشيخ موسى ، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله ، وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به . قال : فالتفت إلي سليمان فقال يا أبا حفص ، ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني قال عمر : فاغتنمت ذلك منه فقلت يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن [١] ، وبه نسمة قد أهلكته ، وقد أتت على ما فيه من السلامة لك من يمينك ، وهو موسى البعيد الأثر في سبيل الله ، العظيم الغناء عن المسلمين قال عمر :
والذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه ، فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه ، وهو لحوح . قال . فلما قال لي ما قال آخرا ، حمدت الله على ذلك ، وعلمت أن الله قد أحسن إليه ، وأن سليمان قد ندم فيه . فقال سليمان : من يضمه ؟ فقال يزيد بن المهلب أنا أضمه يا أمير المؤمنين . قال : وكانت الحال بين يزيد وموسى لطيفة خاصة . قال سليمان : فضمه إليك يا يزيد ، ولا تضيق عليه . قال : فانصرف به يزيد ، وقد قدم إليه دابة ابنه مخلد ، فركبها موسى ، فأقام أياما . قال : ثم إنه تقارب ما بين موسى وسليمان في الصلح ، حتى افتدى منه موسى بثلاثة آلاف ألف دينار .
عدة موالي موسى بن نصير قال : وذكروا عن بعض البصريين ، أن رجلا منهم أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ليلة وقد سهر سهرا طويلا : يا أبا عبد الرحمن ، كم تعد مواليك وأهل بيتك ؟ فقال : كثير . قال يكونون ألفا ؟ قال له موسى : نعم وألفا وألفا حتى ينقطع النفس ، لقد خلفت من الموالي ما أظن أن أحدا لا يخلف مثلهم . قال له يزيد : إنك لعلى مثل ما وصفت ، وتعطي بيدك ؟ ألا أقمت بدار عزك ، وموضع سلطانك ، وبعثت بما قدمت به ، فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة ، وإلا كنت على التخيير من أمرك ؟ فقال موسى : والله لو أردت ذلك ما تناولوا طرفا من أطرافي إلى أن تقوم الساعة ، ولكن آثرت حق الله ، ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة . قال : ثم خرج يزيد من عنده ، فنظر إليه موسى ، قال لمن عنده : والله إن في رأس أبي خالد لنفرة وليأتين عليها .
[١] البادن والبدين : ضخم الجسم ( تخين ) .