الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٨ - إخراج بني أمية عن المدينة ، وذكر قتال أهل الحرة
قد أوصاني بك ، وأراك مدنفا ليس فيك سفر . فقال : يا أمير المؤمنين أنشدك الله ، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي ، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس . قال . فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة ، فوضع على سرير ، وحمله الرجال على أعناقهم ، حتى جاءوا مكانا يقال له البتراء ، فأرادوا النزول به . فقال لهم : ما اسم هذا المكان ؟ فقيل له البتراء . فقال : لا تنزلوا به ، ثم سار حتى حاجزة ، فنزل به ، فأرسل إلى أهل المدينة : إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : أنتم الأصل والعشيرة والأهل ، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا ، فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة ، عطاء في الصيف ، وعطاء في الشتاء ، ولكن عندي عهد الله وميثاقه ، أن يجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا ، والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم ، وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد ، فعلي أن أخرجه لكم ، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم ، فاشترى بها عبيدا لنفسه : فقالوا لمسلم : نخلعه كما نخلع عمائمنا ، يعنون يزيد ، وكما نخلع نعالنا . قال : فقاتلهم ، فهزم الناس أهل المدينة [١] .
قال أبو معشر : حدثنا محمد بن عمرو بن حزم ، قال : قتل بضعة وسبعون رجلا من قريش ، وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار ، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف ، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر ، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه . فقال مسلم بن عقبة لأهل الشام : كفوا أيديكم ، فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص ، يريد القتال ، فقاتلهم بعد الكف . فقال مسلم بن عقبة : أنهبها ثلاثا . قال : فقتل الناس ، وفضحت النساء ، ونهبت الأموال . فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال ، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة ، فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة . قال : فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله ابن زمعة ، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عمرو قال لأم سلمة :
أرسلي معي ابن بنتك ، فجاء به إلى مسلم ، فلما تقدم يزيد قال له مسلم : تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له ، مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين ، إن شاء وهب ، وإن شاء أعتق ، وإن شاء استرق . فقال يزيد : لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك . قال : والله لا تستقبلها أبدا . فقال عمرو بن عثمان : أنشدك الله ، فإني أخذته من أم سلمة ، بعهده وميثاقه ، أن أرده إليها . قال : فركضه برجله ، فرماه من فوق السرير ، فقتل يزيد بن عبد الله ، ثم أتى محمد بن أبي جهم مغلولا . فقال له مسلم : أنت القائل ، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا . قال : قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمير ، فأرسل
[١] هذه إعادة لما ذكر في الجزء الأول ، أعادها ابن قتيبة ليبنى عليها ما بعدها .