الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٧٤ - ذكر قدوم موسى على الوليد
المؤمنين ليس بأنجب منك ؟ فقال موسى : شأن أمير المؤمنين شأن ليس فوقه شأن ، وكل شأن وإن عظم دونه ، لأنه به ومنه ، وعلى يديه وأمره .
قالوا : وحدثنا عبد الله بن شريح ، قال : بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية ، فقال له : يا موسى ، أنت ملك المغرب ، وأعلم الناس تخرج إلى الوليد ، وتعلم من سليمان ؟ فقال له موسى : يا بن أخي ، حسبك من قريش ، ثم من بني أمية ما تعلم ، ألا ترى يا بن أخي أن الصبي يأخذ العظم فيعقفه [١] بحبل ، ثم ينصبه ويهيئ طريقا ، ويضع فيه حبة بر أو ذرة ، فينصب للهدهد العالم بما تحت الأرض ، فيستنفر [٢] ، ثم تدفعه المقادير إلى الوقوع فيه ، فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها . فخرج موسى إلى الوليد بدمشق ، فمات الوليد ، واستخلف سليمان أخاه ، فلقى منه موسى ما ذكرنا ، وخرج القرشي إلى الشام ، فضربت عنقه .
ذكر قدوم موسى على الوليد قال : وذكروا أن موسى لما قدم على الوليد ، وذلك يوم الجمعة ، في حين جلوس الوليد ابن عبد الملك على المنبر ، وكان موسى قال لبعض من وفد معه ، بأن يلبس كل رجل من الأسرى تاجا ، وثياب ملك ذلك التاج ، ثم يدخلوا معه المسجد . قال : فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا ، وهيأهم هيئة الملوك ، وأمر بأبناء ملوك البربر فهيئوا وأمر بأبناء ملوك الجزائر والروم فهيئوا كذلك ، ولبسوا التيجان ، وأمر بأبناء ملوك الأشبان [٣] ، فهيئوا بمثل ذلك وأمر بالأموال والجوهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء [٤] والكساء المنسوج بالذهب والفضة ، المحرش [٥] باللؤلؤ والياقوت والزبرجد ، فوقف الجميع بباب الوليد ، وأبناء ملوك أفرنجة وأقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان ، حتى دخل مسجد دمشق ، والوليد على المنبر ، يحمد الله وهو موهون [٦] ، قد أثرت فيه العلة ، وأنهكه المرض وإنما كان متحملا
[١] يعقفه : يثنيه ويلويه .
[٢] يستنفر : بهرب .
[٣] الأشبان : الأسبان : وهم ملوك الأندلس .
[٤] الوطاء : الفرش اللين الثمين .
[٥] المحرش : الموضع عليه اللؤلؤ وغيره بارزا تلمس اليد خشونته .
[٦] موهون : ضعيف .