الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣١ - حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
ويكون هلاكك بيدي من اتهمته وعاديته . فلعمري لقد طال ما تطاولت ، وتمكنت وأخطيت ، وخلت أن لن تبور ، وأنت في فلك الملك تدور ، وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب فسر لأمرك ، ولاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها . وتدرعت جلالها [١] ، تجرعها مطالها ، لا يحذرون منك جهدا ، ولا يرهبون منك وعيدا ، يتأملون خزايتك ، ويتجرعون إمارتك ، عطاشا إلى دمك ، يستطعمون الله لحمك ، وأيم الله لينافقنك منهم الأبطال ، الذين بيتهم فيما يحاولونك به على طاعة الله ، شروا [٢] أنفسهم تقربا إلى الله ، فأغض عن ذلك يا بن أم الحجاج . فسنحمل عليك إن شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والسلام على أهل طاعة الله .
فلما قدم الكتاب على الحجاج ، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه ، وألقى الطرف الآخر يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ثم قال :
نقاتلهم ولم نشتم عدوا * وشر عداوة المرء السباب امرؤ وعظ نفسه بنفسه ، امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده ، امرؤ وعظ بغير فاتعظ ، قد تبين لكم ما تأتون وما تبغون ، العجب العجب ، وما هو أعجب من العير [٣] الأبتر ، إني وجهته ومن معه من المنافقين لسبع مئة وزن سبعة سواء ، فانطلقوا في نحور العدو ، ثم أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الإسلام ، من أجل عير أبتر ، ومن كيده ما هو أعجب العجب ، على حين أننا قد أمنا الخوارج ، وأطفأنا الفتن ، فكان من شكركم يا أهل العراق ليد الله فيكم ، ونعمته عليكم ، وإحسانه إليكم ، جرأتكم على الله ، وانتهاككم حرمته ، واغتراركم بنعمة الله ، ألم يأتكم شبيب مهزوما ذليلا ، فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش ، ليس منهم من أمير جيش إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها ، فيقتل أميرهم وهم وقوف ينظرون إليه ، لا يرون له حرمة في صحبة ، ولا ذماما في طاعة ، فقبحت تلك الوجوه !
فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق ، أما هذا الذي نتقي ؟ والله لقد أكرمنا الله بهوانكم وأهانكم بكرامتنا ، في مواطن شتى تعرفونها ، وتعرفون أشياء حرمكم الله اتخاذها ، وما الله
[١] الجلال : الأمور العظيمة .
[٢] شروا أنفسهم : باعوها .
[٣] العير : بفتح العين وسكون الياء الحمار ، الأبتر المقطوع الذنب