الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١١٤ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
مولى محمد بن علي ، ففعلوا ، فكان يحيى بن محمد يتبعهم ويسألهم ، فيقول : ما قصتكم وفي أي شئ جئتم ؟ فلا يخبرونه ، فذكروا ذلك لإبراهيم . فقال احذروه ، فإنه قليل العقل ، ضعيف الرأي . فجاء إلى إبراهيم فقال له : إن علي دينا ، والله لئن لم تعطني قضاء ديني ، لأرفعن أمرك إلى عبد العزيز بن عمر ، وهم يومئذ على الموسم ، فأعطاه خمسة آلاف درهم ، وقدموا بأبي مسلم معهم ، وقد خرج أصحابه من السجن ، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه . فقال لسليمان : قد ربا [١] أمركم ، فأنت على الناس ، فاخرج إلى خراسان ، وقد كان أبو مسلم قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه ، فرأى عقله وظرفه . فكتب إلى أصحابه : إني قد أمرته على خراسان ، وما غلب عليها ، فأتاهم فلم يقبلوا قوله ، وخرجوا من قابل ، فالتقوا بمكة ، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه . قال إبراهيم : إنه قد أجمع رأيه على هذا ، فاسمعوا له وأطيعوا . ثم قال لأبي مسلم : يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت ، فاحفظ وصيتي ، أنظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم ، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم ، وانظر هذا الحي من ربيعة ، فإنهم معهم ، وانظر هذا الحي من مضر ، فإنهم العدو القريب الدار ، فاقتل من شككت في أمره ، ومن وقع في نفسك منه تهمة . فقال : أيها الإمام ، فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ذلك ، أحبسه حتى تستبينه ؟ فقال : لا ، السيف السيف ، لا تتق العدو بطرف [٢] . ثم قال للشيعة : من أطاعني فليطع هذا ، يعني أبا مسلم ، ومن عصاه فقد عصاني . ثم قال له : إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضا فيها عربي فافعل ، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار ، فاتهمته فاقتله ، ولا تخالف هذا الشيخ ، يعني سليمان بن كثير ، ولا تعصه ، فشخصوا إلى خراسان ، ووقعت العصبية بخراسان ، بين نصر بن سيار ، وكان عامل مروان عليها ، وبين الكرماني . فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له : إن مروان ابن محمد قد خالف ما ظن به الناس : وقد كان رجى وأمل ، وما أرى أمره إلا وقد انتقض ، واجترأت عليه الخوارج ، وانتقضت عليه البلاد ، وخرج عليه ثابت بن نعيم ، ورأى الاشتغال بلذاته أهم عليه ، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن يوقعك هذا الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها ، وأرى والله في هذه الكور شيئا ، وأسمع أمورا أخاف أن تذهب ، أو تذهل منها العقول . فقال نصر بن سيار : والله ما أ ؟ هم عقلك ولا نصيحتك ، ولكن أكفف عن هذا القول ، فلا يسمعن منك ، فالتحم ما بين الرجلين ، وهاجت الحرب وتقاتلوا ، وجعلت رحال الشيعة تجتمع في الكور الألف والألفان ، فيجتمعون
[١] ربا أمركم : زاد وارتفع شأنكم
[٢] الطرف : النظر