الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٩٦ - أيام عمر بن عبد العزيز
إن شاء الله . وإن ولي عهدي فيكم ، وصاحب أمري بعد موتي ، في كل من استخلفني الله عليه ، الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره وظاهره ، ورجوت الله بذلك وأردت رضاه ورحمته إن شاء الله ، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده ، فإني ما رأيت منه إلا خيرا ، ولا اطلعت له على مكروه ، وصغار ولدي وكبارهم إلى عمر ، إذ رجوت ألا يألوهم رشدا وصلاحا ، والله خليفتي عليهم ، وهو أرحم الراحمين ، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله .
ومن أبى عهدي هذا وخالف أمري فالسيف ، ورجوت أن لا يخالفه أحد ، ومن خالفه فهو ضال مضل يستعتب [١] فإن أعتب ، وإلا فالسيف ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله القديم الإحسان .
أيام عمر بن عبد العزيز قال : وذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال : إني لحاضر يوم قرئ عهد سليمان في المسجد بدمشق على الناس ، فما رأيت يوما أكثر باكيا ولا داعيا له بالرحمة من ذلك اليوم ، فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ولا حروري [٢] إلا أخذ الله له بقلوبهم ، وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا له بالسؤال بالعفو من الله ، ورضي الناس أجمعون فعله ، قال خالد : ثم بايع الناس لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس ، لا يشوبها غش ، ولا يخالطها دنس ، قال خالد : وسمعت رجاء [٣] يقول لما تمت البيعة : إني مهما شككت في شئ فإني لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة ، والرحمة لسليمان إن شاء الله ، واستفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان ، ورباعه وكسوته [٤] ، وجميع ما كان يملكه ، فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف دينار ، فجمع ذلك كله ، وجعله في بيت المال ، ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك ، فقال لها : يا فاطمة ، فقالت لبيك يا أمير المؤمنين ، فجعل يبكي ، وكان لها محبا ، وبها كلفا [٥] ، ثم استفاق من بكائه ، فقال
[١] يستعتب : يراجع ويعاقب حتى يرجع عما هو فيه
[٢] الحروري : نسبة إلى حروراء بلدة ظهر بها الخوارج أول ما ظهروا كما سبق
[٣] هو رجاء بن حياة الذي تسلم العهد من سليمان بن عبد الملك وحفظه لحين وفاته
[٤] الرباع : جمع ربع : بضم الراء وفتح الباء وهو الفصيل الذي ينتتج في الربيع ، والكسوة الثياب
[٥] الكلف : شدة التعلق والحب