الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٩٤ - ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز
ولم ذلك ؟ فقال رجاء : لأن قريشا ونحوها لا ترضى بهذا ، ولا تصير إليه ، ولا آل أمية وعبد شمس حيث كانت من الأرض . فقال عمر : إن الأمر لله من قبل ومن بعد ، يؤتي الملك من يشاء . فقال رجاء : فخرجت إلى الناس وأعلمتهم بعهد أمير المؤمنين . فقالوا سمعا وطاعة ، ثم أعلمتهم بابتهاله ورغبته إلى الله ، وما قال ، فلم يشك الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم ، فأرادوا أن يسلموا عليه بالخلافة ، وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان . فقلت لهم : لا تعجلوا فإن عمر قال لي أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما ، وهذا أفطن مني بهذا الأمر لأنه كان حاضرا ، وسليمان يكتب العهد بيده ، فضج الناس من ذلك واختلفوا . فقالت فرقة : سمعنا وأطعنا ، لمن استخلف علينا ، كان من كان . وقالت فرقة : لا ، والله لا نقر بهذا ، ولا نطيعه ، ولا يستخلف علينا إلا مرواني ، ولا تبقى منا عين تطرف في الدنيا . فقال رجاء لعمر : كيف ترى قولي ، والله لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين ، وإنها الفتنة قد فتح بابها . فقال عمر :
أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله . قال رجاء : فقلت لعمر : ما نحن صانعون إن كان هذا ؟ فقال عمر : لا أدري ما أقول في موقفي هذا . قال رجاء : ولم ؟ فقال عمر : لأني والله ما وقفت موقفا قط ، لا رأي لي فيه ولا بصيرة ، إلا موقفي هذا ، فإني قد أجدني قد ذهب روعى [١] ، وفقدت رأيي ، ولا أدري ما أستقبل من أمري ، ولا ما أستدبر ، ولو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا ، حيث لا أدرك ولا أرى : قال رجاء : فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه وبصيرته . قال رجاء : فقلت له يا أبا حفص ، فأين نحن من المفزع إلى الله ، والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين ، ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة [٢] ؟ فقال عمر :
بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد . قال رجاء : فبتنا ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء ، والاستخارة لله . فلما أصبحنا قلت لعمر : ما ترى يا أبا حفص ؟ فقال : أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت ، ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت . قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول : قد قضى أمير المؤمنين نحبه ، فخرجا ، فإذا بالعويل والنوح ، فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما ، والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول : لست به ، حتى دخل المسجد ، وقد اجتمع الناس ، وهم مستعدون للفتنة والقتال ، إن خالف العهد ما يريدون . فقام رجاء إلى جانب المنبر : فحمد الله ، وحض الناس على الطاعة ، ولزوم الجماعة ، وأعلمهم بما في الفرقة
[١] الروع : بضم الراء القلب أي ذهب عقلي وضاعت فطنتي .
[٢] الخيرة : الاختيار .