الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٨ - تولية موسى بن نصير البصرة
فقال الوليد : سنرى في هذا الأمر ، وترون إن شاء الله . ثم كتب الحجاج إلى الوليد :
أما بعد ، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين في حداثة بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في البلاد ، والملك للعباد ، والنصر على الأعداء ، فعليك بالإسلام ، فقوم أوده ، وشرائعه وحدوده ، ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم ، فإنه قل ما يؤتى الناس من خير أو شر ، إلا أفشوه في ثلاثة أيام ، والسلام .
تولية موسى بن نصير البصرة قال : وحدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم ، أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يولي أخاه بشر بن مروان على العراق ، كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر ، وبشر معه يقود الجنود ، وكان يؤمئذ حديث السن : إني قد وليت أخاك بشرا البصرة ، فأشخص معه موسى بن نصير ، وزيرا ومشيرا ، وقد بعثت إليك بديوان العراق ، فادفعه إلى موسى ، وأعلمه أنه المأخوذ بكل خلل وتقصير ، فشخص بشر من مصر إلى العراق ، ومعه موسى بن نصير ، حتى نزل البصرة ، فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه ، وتخلى عن جميع العمل ، فلبث موسى مع بشر ما لبث ، ثم إن رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال له : هل لك أن أسقيك شرابا لا تشيب معه أبدا ، بعد أن أشترط عليك شروطا ؟ قال بشر : وما هي ؟ قال : لا تغضب ولا تركب ، ولا تجامع امرأة في أربعين ليلة ، ولا تدخل حماما ، فقبل ذلك بشر وأجابه ، وشرب ما أسقاه ، واحتجب عن قريب الناس وبعيدهم ، وخلا مع جواريه وخدامه ، فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة وقد ضمت إليه مع البصرة ، فأتاه من ذلك ما لم يحمل فرحه ، ولا السرور به ، فدعا بركاب ليركبها ، فأتاه الرجل ، فناشده لا يخرج ولا يركب ، وأن لا يتحرك بحركة من مكانه ، فلم يلتفت بشر إلى كلامه ، ولم يقبل ما أمره به ، فلما رأى الرجل عزمه قال له : فأشهد لي على نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك ، وأشهد أنه قد أبرأه ، فركب وهو يريد الكوفة ، فلم يسر إلا أميالا ، حتى وضع يده على لحيته ، فإذا هي في كفه قد سقطت من وجهه ، فلما رأى ذلك انصرف إلى البصرة ، فلم يلبث إلا قليلا حتى هلك ، فلما بلغ عبد الملك موته ، وجه الحجاج بن يوسف واليا عليها . فقال موسى بن نصير : ما فاتك فلا يفوتك ، وكان عبد الملك قد أراده لأمر عتب عليه منه . فكتب خالد بن أبان ، من الشام إلى موسى ابن نصير : إنك معزول ، وقد وجه