الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥١ - خطبة موسى بإفريقية
سفيان بن مالك الفهري وأبا صالح الفهري ، فغرم كل واحد منهما عشرة آلاف دينار ، ووجههما إلى عبد الملك في الحديد . قال : وكان قدوم موسى أفريقية وما حولها مخوفا ، بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين ، لقرب العدو منهم ، وإن عامة بيوتها الخصوص [١] وأفضلها القباب ، وبناء المسجد يومئذ شبيه بالحظير ، غير أنه قد سقف ببعض الخشب ، وقد كان ابن النعمان بنى القبلة وما يليها بالمدر ، بنيانا ضعيفا ، وكانت جبالها كلها محاربة لا ترام ، وعامة السهل .
خطبة موسى بأفريقية قال : وذكروا أن موسى لما قدم أفريقية ، ونظر إلى جبالها ، وإلى ما حولها ، جمع الناس ثم صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنما كان قبلي على أفريقية أحد رجلين : مسالم يحب العافية ، ويرضى بالدون من العطية ، ويكره أن يكلم [٢] ، ويحب أن يسلم ، أو رجل ضعيف العقيدة ، قليل المعرفة ، راض بالهوينى ، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر ، وأحسن النظر ، وخاض الغمر ، وسمت به همته ، ولم يرض بالدون من المغنم لينجو ، ويسلم دون أن يكلم أو يكلم ، ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده ، ولا عنف يقاسيه ، متوكلا في حزمه ، جازما في عزمه ، مستزيدا في علمه ، مستشيرا لأهل الرأي في إحكام رأيه ، متحنكا بتجاربه ، ليس بالمتجابن إقحاما ، ولا بالمتخاذل إحجاما ، إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا ، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا ، راجيا من الله حسن العاقبة ، فذكر بها المؤمنين ، ورجاهم إياها لقول الله تعالى ( إن العاقبة للمتقين ) أي الحذرين . وبعد : فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو الأقصى ، ويترك عدوا منه أدنى ، ينتهز منه الفرصة ، ويدل منه على العورة ، ويكون عونا عليه عند النكبة ، وأيم الله لا أريم [٣] هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى [٤] يضع الله أرفعها ، ويذل أمنعها ، ويفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها ، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين .
[١] الخصوص جمع خص : وهو البيت من البوص ونحوه .
[٢] يكلم : يجرح .
[٣] أريم القلاع : أتركها وأغادرها .
[٤] يضع الله أرفعها : أي يسقطه وينزله إلي .