الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٨٣ - قدوم رأس عبد العزيز بن موسى عن أخباره وأفعاله
فقال سليمان : هو ذاك . فقال موسى : وهو ذاك ، فلم يزل يرددها سليمان ، ويرددها موسى ، حتى سكت سليمان .
سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله قال : وذكروا أن سليمان قال لموسى : ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك ؟ قال : التوكل ، والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين . قال له سليمان : هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق ، أو كنت تخندق حولك ؟ قال : كل هذا لم أفعله . قال : فما كنت تفعل ؟ قال : كنت أنزل السهل ، وأستشعر الخوف والصبر ، وأتحصن بالسيف والمغفر ، وأستعين بالله ، وأرغب إليه في النصر . قال له سليمان : فمن كان من العرب فرسانك ؟ قال حمير . قال : فأي الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر ؟ قال شقرها . قال : فأي الأمم كانوا أشد قتالا ؟ قال : إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم . قال له : أخبرني عن الروم . قال :
أسود في حصونهم ، عقبان على [١] خيولهم ، نساء في مواكبهم [٢] إن رأوا فرصة افترصوها ، وإن خافوا غلبة فأوعال [٣] ، ترقل في أجبال ، لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة .
قال : فأخبرني عن البربر . قال : هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب : لقاء ونجدة ، وصبرا وفروسية ، وسماحة وبادية ، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر . قال : فأخبرني عن الأشبان ، قال : ملوك مترفون ، وفرسان لا يجبنون . قال : فأخبرني عن الإفرنج . قال : هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة ، والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة ، ومنهم العزيز ، ومنهم الذليل ، وكلا قد لقيت بشكله ، فمنهم المصالح ، ومنهم المحارب المقهور ، والعزيز البذوخ [٤] . قال :
فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم ، أكانت عقبا [٥] ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، ما هزمت لي راية قط ، ولا فض لي جمع ، ولا نكب المسلمون معي نكبة ، منذ اقتحمت
[١] العقبان : جمع عقاب وهو طائر سريع الطيران يريد أنهم سريعو الجري على خيولهم كأنهم يطيرون كالعقبان .
[٢] يتجملون كالنساء .
[٣] الأوعال جمع وعلى وهو تيس الجبل ، وترقل : تسرع ، والأجبال : الجبال ، والمراد أنهم سريعو الهرب إذا خافوا فروا سراعا
[٤] البذوخ : المتكبر .
[٥] أي كانت معاقبة تنتصر وتهزم .