الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٨١ - ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالأندلس
ولا أنا من الحق بذي جنف [١] ولن ترد محاورة الكلام مواضع الحمام [٢] ، وأنا أقول كما قال العبد الصالح [٣] . ( فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ) قال : ثم قال موسى : أفتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين ؟ واغرورقت عيناه : فقال له سليمان : نعم ، فخذه ، فقام موسى فأخذه ، وجعله في طرف قميصه الذي كان عليه ، ثم أدير في السماطين [٤] ، فوقع الطرف الآخر عن منكبيه ، وهو يجره لا يحفل به ولا يرفعه . فقال له خالد بن الريان : ارفع ثوبك يا بن نصير ، فالتفت موسى وقال : ما أنت وذاك يا خالد . قال سليمان : دعه ، حسبه ما فعلنا به : فلما توارى موسى قال سليمان : دعه إن في الشيخ لبقية بعد . ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز ، فألفى ذلك باطلا ، وأن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة ، مستقيم الطريقة ، فلما تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم ، وأمر بالوفد فأخرجوا ، ولم ينظر في شئ من حوائجهم ، وأهدر عن موسى بقية القضية ، التي كان سليمان قاضاه عليها ، وكان سليمان قد آلى قبل خلافته ، لئن ظفر بالحجاج بن يوسف وموسى بن نصير ليعزلنهما ، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا .
فلما رضي عن موسى جعل يقول : ما ندمت على شئ ندامتي ، أن لا كنت خلوا من اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا ، ما مثل موسى أستغني عنه .
قال : وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب ، وهو مستشرف على سطح وعنده الناس . فلما رآه سليمان قال : عندكم والله من إن سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غم الهلال يومئذ على سليمان والناس . فلما دنا موسى وسلم قال له سليمان أرأيت الهلال بعد يا موسى ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك ، وأشار بأصبعه إلى ناحية ، وهو مقبل على سليمان بوجهه ، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى ، فأبصروا الهلال فلما جلس موسى قال إني والله لست بأحدكم بصرا ، ولكني أعلمكم بمطالعه ومناسقه [٥] . وقال : فخرج فلقيه يزيد بن المهلب ، فقال له : يا أبا عبد الرحمن ،
[١] الجنف : البعد
[٢] الحمام بكسر الحاء : الموت .
[٣] العبد الصالح : يعقوب أبو يوسف عليهما السلام قالها بعد أن أخبره إخوة يوسف بما حدث ليوسف .
[٤] السماطان : الثوبان اللذين تحت القميص .
[٥] مناسقه : طرقه ومساراته .