الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٩٨ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
منكس رأسه قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، ثم قال إن الخلفاء كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز وصلات ، وقد أصبحت إلى ذلك منك محتاجا . ثم أنشأ يقول :
قد طال قولي إذا ما قمت مبتهلا * يا رب أصلح قوام الدين والبشر إنا لنرجو إذ ما الغيث أخلفنا * من الخليفة ما نرجو من المطر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت * أم قد كفاني ما بلغت من خبر ما زلت بعدك في هم يؤرقني * قد طال في الحي إصعادي ومنحدري [١] لا ينفع الحاضر المجهود بادية * ولا يعود لنا باد على حضر كم باليمامة [٢] من شعثاء أرملة * ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر يدعوك دعوة ملهوف كأن به * مسا من الجن أو مسا من البشر فإن تدعهم فمن يرجون بعدكم * أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر هذى الأرامل قد قضيت حاجتها * فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر خليفة الله ما ذا تأمرون بنا * لسنا إليكم ولا في دار منتظر أنت المبارك والمهدي سيرته * تعصى الهوى وتقوم الليل بالسور قال : فبكى عمر ، وهملت عيناه ، وقال : ارفع حاجتك إلينا يا جرير . قال جرير :
ما عودتني الخلفاء قبلك . قال : وما ذلك ؟ قال : أربعة آلاف دينار ، وتوابعها من الحملان والكسوة . قال عمر : أمن أبناء المهاجرين أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أبناء الأنصار أنت ؟
قال : لا . قال : أفقير أنت من فقراء المسلمين ؟ قال : نعم . قال : فأكتب لك إلى عامل بلدك ، أن يجري عليك ما يجري على فقير من فقرائهم . قال جرير : أنا أرفع من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين . قال : فانصرف جرير . فقال عمر : ردوه علي . فلما رجع قال له عمر : قد بقيت خصلة أخرى ، عندي نفقة وكسوة أعطيك بعضها ، ثم وصله بأربعة دنانير . فقال : وأين تقع مني هذه يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : إنها والله لمن خالص مالي ، ولقد أجهدت لك نفسي .
فقال جرير : والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال كسبته . ثم خرج ، فلقيه الناس فقالوا له :
ما وراءك ؟ قال : جئتكم من عند خليفة يعطي الفقراء ، ويمنع الشعراء وإني عنه لراض :
[١] الإصعاد : الارتفاع ، والمنحدر : الهبوط ، والمراد قد طال ترددي على الناس من مختلف الطبقات
[٢] اليمامة : البلاد التي ادعى بها مسيلمة الكذاب النبوة ، بينها وبين مكة ست عشرة مرحلة من البصرة والكوفة ، والشعثاء ، المغبرة الرأس من الفقر وشظف العيش