الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤٨ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان قال : وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر ، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس ، ليسكن هيجها وفتنها ، ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم ، فأظهر الغلظة والشدة ، وسطا [١] بكل من ألحد في سلطانهم ، وأشار إلى المنازعة لهم ، وأخذ الناس بالبيعة ، وكان مالك بن أنس رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا [٢] ، وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه في علمه أو عمله ، أو فهمه أو ورعه ، فكيف بمن جمع الله ذلك فيه ، ولم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه الله تعالى العلم والعمل ، والفهم واللب والنبل ، ووصل له ذلك بالدين والفضل ، عرف منه ذلك صغيرا ، وظهر فيه كبيرا ، واستلب الرياسة ممن كان قد سبقه إليها ، بظهور نعمة الله عليه ، وسموها به على كل سام ، فاستدعى ذلك منهم الحسد له ، وألجأهم ذلك إلى البغي عليه ، فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له : إن مالكا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحل ، ولا تلزمهم لمخالفتك ، واستكراهك إياهم عليها ، وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين ، لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ينحل عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة ، وهم أن يبدر [٣] فيه بما عافاه الله منه ، وأنعم على المسلمين ببقائه . فقيل له : لا تبدر فيه ببادرة ، فإنه من أكرم الناس على أمير المؤمنين ، وآثرهم عنده ، ولا بأس عليك منه ، فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين ، أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة . فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله ، ومن مأمنه يؤتي الحذر [٤] ، فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه ، وحسبة فيه . فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان يأتيه ، فأتوا به إليه منتهك الحرية ، مزال الهيبة [٥] ، فأمر به فضرب سبعين سوطا : فلما سكن الهيج بالمدينة ، وتمت له البيعة ، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه .
[١] سطا بكل من ألحد : تسلط عليهم وعذبهم ، ومعنى ألحد في سلطانهم ، لم يعترف به .
[٢] كثير الحساد .
[٣] ببدر فيه : يؤذيه .
[٤] هذا مثل عربي معناه أن الشخص كثير الحذر والاحتياط يؤتى من الجهة التي يأمن منها ولا يخافها .
[٥] مزال الهيبة : قد أزيلت هيبته ولم يعامل بمقتضى ما له من وقار واحترام .