الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٠٢ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
فاغرورقت عيناه بالدموع . قال لهم : أوصيكم بتقوى الله العظيم ، وليجل صغيركم كبيركم ، وليرحم كبيركم صغيركم . ثم قال لمسلمة : يا أبا سعيد ، إنما ولدي على أحد أمرين : إما عامل بطاعة الله فلن يضيعه الله ، وإما عامل بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال ، قوموا عصمكم الله ووفقكم . ثم دعا رجاء بن حياة فخلا به . فقال : يا رجاء ، إن الموت قد نزل ، وأنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك : إذا أنا مت فكن ممن يقبرني ، فإذا سويت علي اللبن [١] ، فارجع لبنة ، ثم اكشف عن وجهي وانظر إليه ، فإني قبرت ثلاثة رجال بيدي ، وكشفت عن وجوههم ، فنظرت وجوههم قد اسودت ، وعيونهم قد برزت من وجوههم ، فاكشف عن وجهي يا رجاء وانظر إليه ، فإن رأيت شيئا من هذا ، فاستر علي ، ولا تعلم به أحدا ، وإن رأيت غير ذلك ، فأحمد الله عليه . قال رجاء : ففعلت ذلك ، فلما سوينا عليه اللبن ، رفعت لبنة وكشفت وجهه ، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر ، وإذا على صدره صك فيه خط ليس من كتابة الآدميين :
بسم الله الرحمن الرحيم ، كتاب بالقلم الجليل ، من الله العزيز العليم ، براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الأليم .
ما علم به موت عمر رحمه الله في الأمصار قال : وذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال : وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام ، فنزلوا برجل في أوائل الشام موسع عليه ، تروح عليه إبل كثيرة ، وأبقار وأغنام ، فنظروا إلى شئ لا يعلمونه ، غير ما يعرفون من غضارة العيش ، إذ أقبل بعض رعاته فقال : إن السبع عدا اليوم على غنمي ، فذهب منها بشاة . فقال الرجل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض : ما عند هذا خير ، يتأسف ويتوجع من شاة أكلها السبع ! ، فكلمه بعض القوم . قال له : إن الله تعالى قد وسع عليك ، فما هذا التوجع والتأسف ؟ قال : إنه ليس مما ترون ، ولكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفي الليلة ، والله ما تعدى السبع على الشاة إلا لموته ، فأثبتوا ذلك اليوم ، فإذا عمر قد توفي في ذلك اليوم .
وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول : بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ليلة ، إذ تسور عليه كلب ، فسمعه وهو يقول لهرة له : أي جنة ، هل من شئ أصيبه ، فإني والله أكال ؟ فقالت له الهرة : ما ثم شئ ، لقد غطوا الإناء ، وأكفئوا الصفحة . فقال لها : هل تدنيني من يد صبي ، أو قدر لم تغسل ، أشمها لترتد لي روحي ؟ قالت الهرة : ما كنت لأخونهم
[١] اللبن : الطوب الأخضر غير المحروق