الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٠١ - ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز
قالت : كان لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه ، فأبطأ علي ذات ليلة ، فقلت لآتينه ، فوجدته نائما ، فهبته أن أوقظه ، فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا فاطمة فقال : يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن منها . فقلت : حدثني بها يا أمير المؤمنين . قال رأيت كأني في أرض خضراء لم أر أحسن منها ، ورأيت في تلك الأرض قصرا من زبرجد ، ورأيت جميع الخلائق حول ذلك القصر ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي . فقال : أين محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام فدخل القصر ، فقلت سبحان الله ، أنا في جمع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم عليه ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين أبو بكر بن أبي قحافة ؟ فقام أبو بكر فدخل ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين عمر بن الخطاب ، أين الفاروق ؟ فقام عمر فدخل ، فقلت سبحان الله ، أنا في ملأ فيهم جدي لم أسلم عليه ، فما لبثت إلا يسيرا حتى خرج المنادي فقال : أين عثمان بن عفان ؟ فقام عثمان فدخل ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين علي بن أبي طالب ؟ فقام فدخل ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى : أين عمر بن عبد العزيز . قال : فقمت فدخلت ، فلما صرت في القصر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر عن يمينه ، وعمر عن شماله ، وعثمان وعليا أمامه . فقلت : أين أقعد ؟ لا أقعد إلا إلى جنب عمر . قال : فرأيت فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة . فقلت لعمر : من هذا ؟ قال :
هذا عيسى بن مريم عليه السلام ، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج عثمان بن عفان وهو يقول : الحمد لله الذي نصرني ربي ، ثم خرج علي وهو يقول : الحمد الله الذي غفر لي ربي ، ثم نودي لي :
أين عمر بن العزيز ، فقمت فصرت بين يدي ربي فحاسبني ، فلقد سألني عن النقير والفتيل والقطمير ، حتى خفت أن لا أنجو ، ثم قمت فخرجت فقيل لي : أثبت وتمسك على ما أنت عليه ، فبينما أنا سائر ، فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق ، فضربتها برجلي ، وقلت لمن معي : لمن هذه الجيفة ؟ فقيل لي : هذه الحجاج بن يوسف ، فضربته برجلي ، فقلت له : ما فعل الله بك يا حجاج :
قال : يا أمير المؤمنين والله لقد قتلت بكل قتيل قتلته بسيف من نار ، ولقد قتلت بسعيد ابن جبير اثنين وسبعين قتلة . فقلت : فآخر أمرك ما هو ؟ قال : أنا ها هنا أنتظر ما ينتظر من وحد الله ، وآمن برسوله . قالت فاطمة : فلم يبق عمر بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا ، حتى مرض مرضه الذي مات فيه ، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنك لتترك ولدك عالة على الناس ، فأوص بهم إلي ، أكفك أمرهم ، فإنك لم تمولهم شيئا ، ولم تعطهم . فقال عمر : يا أبا سعيد ، إن ولدى لهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، ثم دعاهم عمر وهم أربعة عشر غلاما ، فنظر إليهم عمر ، وقد لبسوا الخشن من قباطي مصر [١] ،
[١] القباطي : جمع قبطية بضم القاف والقبطية ثياب مصرية منسوبة إلى القبط أهل مصر على غير قياس ، وهي ثياب فيها الخشن والناعم وقد لبس أولاد عمر بن عبد العزيز رحمه الله عنه خشنها