خزانة التواريخ النجدية - عبد الله بن عبد الرحمان آل بسام - الصفحة ١٢٧ - فصل في نسب نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و مبعثه و مولده و ما بعد ذلك على سبيل الاختصار لاشتهاره في السّير و التواريخ
و كان السلطان محمود ملكا عادلا زاهدا عابدا ورعا مجاهدا متمسكا بالشريعة، مائلا إلى أهل الخير، كثير الصدقات، بنى المدارس الكبار و له من الفضائل و المآثر ما يستغرق الوصف.
و في أيامه سنة ٥٥٧ ه عمل خندقا حول الحجرة النبوية مملوءا بالرصاص، قال صاحب الخميس، و سببه أن النصارى دعتهم أنفسهم إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم و يأبى اللّه إلّا أن يتم نوره.
و ذلك أن السلطان محمودا كان له تهجد من الليل فنام عقب تهجده فرأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يشير إلى رجلين أشقرين و يقول: أنجدني من هذين تكرر ذلك ثلاثا، و كان له وزير صالح يقال له: جمال الدين الموصلي، فأرسل إليه و حكى إليه ما اتفق له، فقال: و ما قعودك؟ اخرج الآن إلى المدينة و اكتم فتجهز و خرج، فقدمها لستة عشر يوما فقال الوزير و قد اجتمعوا أنه قصد الزيارة، و أحضر أموالا للصدقة، فاكتبوا من عندكم ففعلوا، و أمر السلطان بحضورهم، كي يرى تلك الصفة فمن أعطاه أمره بالإنصراف، فقال: هل بقي أحد؟ قالوا: لا، قال: تفكروا، قالوا: لم يبق إلّا رجلان مغربيان صالحان يكثران الصدقة قال: عليّ بهما فرآهما اللذان أشار النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إليهما، فقال: من أين أنتما؟ قالا: جئنا حاجين فاخترنا المجاورة عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: أصدقاني فصمما، فقال: أين منزلهما؟
فأمسكهما و أحضروا إليه في رباط بقرب الحجرة فرأى فيه مالا كثيرا، و ختمتين و كتبا في الرقائق و لم ير شيئا فأثنى عليهما أهل المدينة بخير و قالوا: إنهما صائمان الدهر، ملازمان للصلاة في الروضة و زيارة النبي و قباء كل سبت، و لا يردان سائلا، فقال: سبحان اللّه، و بقي يطوف