أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ١٥٦ - حديث عن بدوى الجبل
ألفاظ المجاملة كلها و أمرى إلى الله؟! و كيف يليق ذلك، و ما سبقت لى به معرفة، و إن كنا قد ائتلفنا بسرعة؟! و أنا رجل أحرص فى صداقاتى على إبقاء بعض الحدود، و لا أرفع الكلفة كل الرفع و إن كنت أرسل نفسى على السجية، لأنى وجدت ذلك أبقى للصداقة و أدوم لعودة. حتى زوجتى و أخى و أبنائى أتوخى معهم الاحترام و الأدب رغبة فى طيب المعاشرة و حسن المخالطة، و اجتنابا لتغير النفوس من جراء سوء الأدب و التطاول.
و قد وجدت فى (يا أستاذ) مخرجا غير مريح، فقد شاع هذا اللفظ حتى فقد قيمته، فكل امرئ يقول لكل امرئ أخر (يا أستاذ) و قد سمعت (كمساريا) يقول لصبى حافى القدمين عارى الرأس و عليه مرقعة تبدى من بدنه أكثر ما تستر (تذكرة يا أستاذ) و لعله يتهكم أو يتفكه، و لكنى امتعضت، و استثقلت هذا الابتذال، و عزيت بأن (أستاذيتى) أنا، خاصة لم يمتد إليها الامتهان، و إن كنت أرى خصوصها قد صار كالعموم.
و سألت غير واحد عن اسم (بدوى الجبل) فكان يطول تفكيرهم و يترددون و يتلعثمون فقلت أسأله هو نفسه. مهدت لذلك قولى له:
(إنى أرى الناس كلهم يسميهم آباؤهم، فلا خيار لهم فى الأمر و إن كان الاسم بغيضا، و لا أعرف سواك رجلا أوتى الشجاعة اللازمة لإطراح ما سماه به أبوه و الاعتياض عنه بالاسم الذى يروه، فماذا كان الاسم الذى تلقيه من أبويك؟ و لماذا آثرت تغييره؟ أعنى ماذا كرهت منه؟.
فقص علىّ هذه القصة. قال: إنه لم يغير اسمه. و لا اعتاض منه سواه، و لكنه فى أل عهده قرض الشعرا، و بعث بقصيدة إلى صحيفة