أخبار الحلاج او مناجيات الحلاج - ماسينيون، لويس؛ كراوس، بول - الصفحة ١٢٦ - ٤ * حدثنى ابو على الفارسى
كلها كما ظهر الصانع فى مصنوعاته اذ كل مصنوع يفتقر الى صانع بل لا وجود لشىء عندهم فى نفسه اذ هو معدوم بإمكان عدمه و صانعه هو الباقى الذى لا يتغيّر و لا يطرأ عليه العدم.
و ربما كان الفطن الذكىّ اذا علم ان هذا معدوم و لم يخطر بباله وجوده من حيث أنه موجد و كان اول نظره الى صانعه و دخل هذا الوجود تحت التبعية لانه لما نظر الى صفات الموجود الاول لاحت له القدرة فنظر فى صنيع القدرة فوجد منها المصنوع و هذا كان ربما لا يرى شيئا حتى يرى اللّه قبله فالاشارة الى الاول بقوله تع سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ الآية و الى الثانى بقوله تع أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فالاول صاحب نظر و استدلال و الثانى صاحب مشاهدة و اشتغال فقس على هذا بقية الابيات و اجعل الانموذج دليلا على قوله
|
«ان اعتذارى اليك منى* |
لفرط عيّى و فرط غيّى» |
|
يشير الى معنى البيت الاول فى سير المعرفة و الاذعان للربوبية و الدخول تحت ذل العبودية يريد: كيف أعتذر اليك من شىء فعلته و مفاتيح الغيب بيدك و هو متصل بمعنى قولنا إنّ المصنوع لا وجود له فى نفسه بنفسه بل بغيره و ان غيره هو الموجود فكان الاشارة الى انك انت الموجود الحقيقى و لا وجود لى و ان فعلك هو الجارى علىّ قهرا و جبرا و لا فعل باعتذارى اذ فرط عيّى و غيّى إذن اثبت لنفسى النية و أجعل لها المشيئة و هذا محض الدين و اليقين فيترتب عليه انك لست غيرى اذ ليس فى الوجود غيرك حتى تثبت له رتبة الغيرية. فانظر الى ارباب البواطن كيف استخرجوا حقائق الاشياء و استخلصوا دقائقها و مخضوا زبدها، و اهل الظاهر لهذا منكرون و عن النظر و البحث عن معانيه معرضون و ان كان كل منهم على الحق اذ الظاهر هو الحق و الباطن هو الحقيقة و لكل حق حقيقة لا يستغنى احدهما عن الآخر و غلب حكم الظاهر على الباطن لان حكم الظاهر أعمّ اذ هو الغالب على سائر الناس و الباطن انما هو من اوصاف الخواصّ فخواصّ الأمة قليل و مراعاة الأعمّ اولى من الأخصّ و الخطأ عند الأخصّ نادر و لا غرو ان بدت من بعض الخواصّ زلّة اشتهرت عليه كان فيها فساد العموم الذى يجرى عليه أحكام العموم لتقع المصلحة لذلك و تحت ذلك سرّ لا يفهمه الا أربابه و لنقبض عنان الجنان عن الجريان فى بعض تاويل ما ارادوا»