منهج الرشاد في معرفة المعاد - الطالقاني؛ محمد نعيم - الصفحة ٣١٣ - في الاشارة إلى أنّ إثبات تلك القوى الخمس بالدّليل وأنّ الحكماء والأطبّاء اختلفوا في ذلك ظاهرا
نركّب المحسوسات بعضها إلى بعض ، وأن نفصّل بعضها [١] من بعض ، لا على الصّورة التي وجدناها عليها من خارج ، ولا مع تصديق بوجود شيء منها أو لا وجوده ، فيجب أن [٢] يكون فينا قوّة تفعل ذلك بها ، وهذه هي التي تسمّى إذا استعملها العقل : مفكّرة ، وإذا استعملها [٣] قوّة حيوانيّة : متخيّلة.
ثمّ إنّا قد نحكم في المحسوسات بمعان لا نحسّها ، إمّا أن لا تكون في طبائعها محسوسة البتّة ، وإمّا أن تكون محسوسة ، لكنّا [٤] لا نحسّها وقت الحكم.
أمّا التي لا تكون محسوسة في طباعها ، فمثل العداوة والرّداءة والمنافرة التي تدركها الشاة في صورة الذئب. وبالجملة المعنى الذي ينفّرها عنه ، والموافقة التي تدركها من صاحبها ، وبالجملة المعنى [٥] الذي يؤنسها به ، وهذه أمور تدركها النّفس الحيوانيّة ، والحسّ لا يدلّها على شيء منها ، فإذن القوّة التي بها تدرك قوّة اخرى ، ولتسمّ الوهم.
وأمّا التي تكون محسوسة ، فإنّا نرى مثلا شيئا أصفر ، فنحكم أنّه عسل وحلو ، فإنّ هذا ليس يؤدّيه إليه الحاسّ في هذا الوقت وهو من جنس المحسوس ، على أنّ الحكم نفسه ليس بمحسوس البتّة ، وإن كانت أجزاؤه من جنس المحسوس ، وليس يدركه في الحال ، إنّما هو حكم [٦] يحكم به ، وربّما غلط به ، وهو أيضا لتلك القوّة. وفي الإنسان للوهم أحكام خاصّة ، من جملتها حملها [٧] النّفس على أن تمنع وجود أشياء لا تتخيّل ولا ترتسم فيه [٨] ، وثانيها التّصديق بها. فهذه القوّة لا محالة موجودة فيها [٩] ، وهي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا كالحكم العقليّ ، ولكن حكما [١٠] تخييليّا مقرونا بالجزئيّة ، وبالصّورة الحسّيّة ، وعنه [١١] يصدر أكثر الأفعال الحيوانيّة.
وقد جرت العادة بأن يسمّى مدرك الحسّ صورة ومدرك الوهم معنى ، ولكلّ واحد منهما خزانة.
فخزانة مدرك الحسّ هي القوّة الخياليّة ، وموضعها مقدّم الدّماغ ، فلذلك إذا حدثت
[١] في المصدر : عن بعض ...
[٢] تكون فينا قوّة يفعل ...
[٣] إذا استعملتها ...
[٤] لكننا ...
[٥] المعنى يؤنسها ...
[٦] حكم نحكم به ربّما غلط به ...
[٧] حمله ...
[٨] فيه ويأبى التصديق ...
[٩] فينا ...
[١٠] حكما تخيليّا ...
[١١] وعنها تصدر.