منهج الرشاد في معرفة المعاد - الطالقاني؛ محمد نعيم - الصفحة ١٦٤ - نقل كلام وتنقيح مرام
عن المادّة ، كما يدرك [١] أيضا معان غير محسوسة وإن كانت مادّيّة ، فهذا النزع إذن أشدّ استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأوّلين ، إلّا أنّه مع ذلك لا يجرّد هذه الصورة عن لواحق المادّة ، لأنّه يأخذها جزئيّة وبحسب مادّة مادّة ، وبالقياس إليها ، ومعلّقة [٢] بصورة محسوسة ، مكفوفة [٣] بلواحق المادّة وبما يشاركه [٤] الخيال فيها.
وأمّا القوّة التي تكون الصور [٥] المثبتة فيها ، إمّا صور موجودات ليست بمادّيّة البتّة ولا عرض لها أن تكون مادّيّة ، أو صور موجودات مادّيّة ، لكن [٦] مبرّاة عن علائق المادّة من كلّ وجه ، فبيّن أنّها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا مجرّدا عن المادّة من كلّ وجه.
أمّا [٧] ما هو متجرّد بذاته عن المادّة ، فالأمر فيه ظاهر ، وأمّا ما هو موجود للمادّة ، إمّا لأنّ وجودها مادّيّ ، وإمّا عارض له ذلك ، فتنزعها [٨] عن المادّة وعن لواحق المادّة معه [٩] ، فيأخذه [١٠][١١] أخذا مجرّدا حتّى يكون مثل الإنسان الذي يقال على كثيرين ، وحتّى يكون قد أخذ الكثير طبيعة واحدة ، ويفرزه [١٢] عن كلّ كمّ وكيف وأين ووضع مادّيّ ، ولو لم يجرّده [١٣] عن ذلك ، لما صلح أن يقال على الجميع. فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسّيّ ، وإدراك الحاكم الخيالي ، وإدراك الحاكم الوهميّ ، وإدراك الحاكم العقليّ ، وإلى هذا المعنى نسوق [١٤] الكلام في هذا الفصل.
فنقول : إنّ الحاسّ في قوّته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس هو قبول صورة الشيء مجرّدة عن مادّته فيتصوّر بها الحاسّ ، فالمبصر هو مثل البصر [١٥] بالقوّة ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ذلك ، والمحسوس الأوّل بالحقيقة هو الذي ارتسم [١٦] في آلة الحسّ وإيّاه يدرك ، ويشبه أن يكون إذا قيل : أحسست الشيء الخارجيّ كان معناه غير معنى أحسست في النفس ؛ فإنّ معنى قوله : أحسست الشيء الخارجيّ ، أنّ صورته تمثّلت في حسّي. ومعنى أحسست في النفس ، أنّ الصورة نفسها تمثّلت في
[١] وبمشاركة خ ل.
[٢] فيأخذها خ ل.
[٣] في المصدر : ويدرك ...
[٤] متعلّقة ...
[٥] مكنوفة ...
[٦] الصورة ...
[٧] ولكن ...
[٨] فأمّا ما ...
[٩] فتنزعه ...
[١٠] معها ،
[١١] وتأخذه ...
[١٢] وتفرزه ...
[١٣] لم تجرّده ...
[١٤] كنّا نسوق ...
[١٥] المبصر ...
[١٦] يرتسم.