منهج الرشاد في معرفة المعاد - الطالقاني؛ محمد نعيم - الصفحة ٢٧٥ - في الإشارة إلى أنّ أيّا من الأفاعيل تقتضي قوّة على حدة
آخر غير بالقصد الأوّل. لكنّه قد يجوز أن يكون مبدأ الأفعال كثيرة غيره بالقصد الثاني. وهذا مثل إنّ الإبصار إنّما هو قوّة أوّلا وبالذات على إدراك الكيفيّة التي هي اللّون ، واللّون يكون بياضا وسوادا وغيرهما. ومثل القوّة المتخيّلة التي شأنها أن تستثبت صور الأمور المادّيّة من حيث هي مادّيّة مجرّدة نوعا من التجريد غير بالغ ، ثمّ يعرض أن يكون ذلك لونا أو طعما أو عظما أو صوتا أو غير ذلك ، ومثل القوّة العاقلة التي شأنها أن تستثبت صور الأمور من حيث هي بريئة عن المادّة وعلائقها ، ثمّ يتّفق أن يكون ذلك شكلا أو عددا أو غير ذلك.
وكذلك قد يجوز أن يكون القوّة معدّة نحو فعل بعينه تحتاج إلى أمر آخر ، فينضمّ إليها حتّى يصير بها ما بالقوّة حاصلا بالفعل. فإن لم يكن ذلك الأمر لم تفعل ، فيكون مثل هذه القوّة تارة مبدأ للفعل بالفعل ، وتارة غير مبدأ له بالفعل ، بل بالقوّة. وهذا مثل القوّة المحرّكة ، فإنّها إذا صحّ الإجماع من القوّة الشوقيّة بسبب داع من التخيّل أو التعقّل إلى التحريك ، حرّكت لا محالة. فإن لم يصحّ ، لم تحرّكه. وليس يصدر عن قوّة محرّكة واحدة بآلة إلّا حركة واحدة أو الحركات الكثيرة لكثرة آلات الحركة التي هي العضل فينا ، وفي كلّ عضلة قوّة محرّكة جزئيّة ، لا تحرّك إلّا حركة بعينها. وقد تكون الواحدة أيضا يختلف تأثيرها بحسب القوابل المختلفة والآلات المختلفة.
هذا ، وأمّا الأفعال التي بينها ترتيب وتقدّم وتأخّر زمانيّ ، ولها اختلاف في الموضوع كالأفعال التي هي أقسام أوّليّة من جملة أفعال النّفس ، وهي ثلاثة أقسام : أفعال يشترك فيها الإنسان والحيوان والنبات ، كالتغذية والتنمية والتوليد ؛ وأفعال يشترك فيها الإنسان والحيوان كلّها أو جلّها ولا حظّ للنبات فيها ، مثل الإحساس والتخيّل والحركة الإراديّة ؛ وأفعال تختصّ بالإنسان ، مثل تعقّل المعقولات واستنباط الصنائع والرويّة في الكائنات والتفرقة بين الجميل والقبيح ، فلها قوى متعدّدة ، ولكلّ قسم منها قوّة على حدة ، إذ ليس يمكن أن يكون لهذه الأقسام الثلاثة الأوّليّة التي قلنا إنّها مختلفة بالتقدّم والتأخّر الزمانيّ وفي الموضوع ، ومع ذلك فهي مختلفة غاية الاختلاف ، قوّة واحدة هي