اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٩٤
لوقته. اكرموا برّه. و عرفوا له فضله. و قالوا له: إن شئت المقام عندنا فأقم. و إن آثرت الانتقال عنّا فها أموالنا فاحتكم.
فقال: و اللّه ما بي عن المقام بينكم رغبة. و لا بدا لي منكم إلّا ما يوجب المقة و المحبة. و لكني أخاف أن أكون عليكم كلّا[١].
و أخشى أن يطول مقامي بينكم فتستثقلوا لي ظلا. فلو رأيتم لي عملا من الحلال أعمل فيه. و أقنع أن أكون ممّن يصونه عزكم و يحميه.
لرجوت أن يكون ذلك إلى دوام [...] أقرب. و رأيت أن الأخذ به أولى و أوجب.
قالوا له: تاللّه! لقد بالغت في الإبانة عن لومنا. و استوجبت بذلك غاية ذمنا و لومنا. و إن زكوات أموالنا لتفضل عن ذوي الحاجة منا حتى بنقلها إلى البلاد النازحة. و نرصد بعد ذلك منها جانبا لما يعزو من حادثة أو يطرق من جائحة. فلك من ذلك ما يزيد على كفايتك. و يفضل عن مقدار حاجتك. فشكر وصلهم و قبل بذلهم، و أقام عندهم مدة يعلّمهم فرائض الدين و أحكامه و يبيّن لهم رسومه و ينير لهم أعلامه.
فبينا هو ذات يوم جالسا في ظل فنائه. و عنده منهم من لا يحتشمه من أودائه[٢]. إذ سمع في ظاهر القرية ضجة ارتفعت لها الأصوات. و صيحة قد علت حتى أسمعت الأموات. و استطار لها من الغبار ما كاد يحجب ضوء الشمس عن الأبصار. فسأل عن تلك الضجة، و ما سبب تلك اللجة. فقيل له وصول الأعلاج[٣]. الذين
[١] كلا: ثقلا.
[٢]أودائه: خلصاؤه.
[٣]الأعلاج ج. علج: يطلق على غير المسلمين. و أثناء فترة الحروب الصليبية-- أطلقت صفة الأعلاج و العلوج على المقاتلين الأوروبيين. و هي في هذه القصة تطلق على موظفي الدولة من جامعي الضرائب. قال ابن لنكك البصري( الوافر):
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|