اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ٦٢
فلم تثنه هذه المواعظ في تقدمتها عن غيّه. و لا ردّته هذه النصائح عن استدامة رئاستها، و لا قدرت على ليّه[١]. بل أصرّ على ما زيّنت له في أمرها النفس الأمّارة. و استمر على طاعتها معرضا عمّا يشير به العقل من مصالح الولاية و الإمارة. و أقامت هذه الحظيّة على ملازمة التنبيه له في كلّ وقت برقيق لفظها، و داومت على مواظبة التذكير له و التحذير برقيق و عظها. فلما أكثرت عليه، غضب غضبا شديدا. و همّ بأن يرهقها من عذابه صعودا. فلم يرعها ذلك و لا أفرقها[٢]. و لا صدّها عن النصيحة التي قد أنار العقل لها طرفها. بل قالت له: أيها الملك إنّ الأفاضل من الملوك إنما يعاقبون للذنب لا للغضب[٣]. و إذا عاقبوا لم يتجاوزوا بالمجرم حدّ الأدب. و إني لم آت جرما و لا اقترفت ذنبا. و لا قلت ما قلته إلّا نصيحة[٤] لك أيها الملك و حبّا. و من لم يكظم غيظه[٥] ندم. و قلّ من صبر على حرارة جمرة الغضب في أوائلها إلّا نجا من إحراقها المهلك و سلم. و لم يزل الغضب أبدا حاملا على العار و الفضيحة. و مغطيا على الفكرة السليمة و الروّية الصحيحة. و ها أنا أذكر لك بعض آثاره الشنيعة القبيحة.
و أضرب لك في ذلك مثلا، فإنّ الأمثال رياض العقول الفسيحة.
[الدّجاجة و القط]
ذكر أن بعض البخلاء اشتهى يوما دجاجة فائقة على صفة
[١] ليّه: التغلب عليه.
[٢]أفرقها: أفزعها.
[٣]راجع فقرة الخصال التي أثبتها المؤلّف في مقدمته للكتاب، ص ٤٩.
[٤] (*) كلمة نصيحة غير معجمة في الأصل.
[٥]كظم غيظه: ردّه و حبسه.