اساس السياسة - القفطي، على بن يوسف - الصفحة ١٠١
و لا يعصوا له أمرا. و قال له: سر إلى هذا البغاث[١] المستنسر. و صر إلى هذا الجمع الذي هو غير مستنصر. فخذهم في الجوامع و الكبول[٢]. و أسرع إليّ بهم الرجوع و القفول. فإن عاصوك معاصاة المشافق[٣]. و أبدو لك صفحة الغادر المارق. فاستأصل منهم الشأفة. و لا تأخذك بهم في دين اللّه رحمة و لا رأفة.
فسار من ساعته لا يلوي على شيء و لا يعرّج. و لا يتورع عن قتل من لقي في طريقه و لا يتحرّج. حتى نزل بساحتهم. و حلّ يحبو حدّ باحتهم. فلمّا أعلم بهم أهل القرى أقبلوا نحوهم مهطعين[٤]. و جاءوا إليهم مسرعين. قد استلأموا و تلببوا[٥]. و تآلفوا و تحزنوا. يقدمهم الشيخ و في يده عصاه. و يسير أمامهم محرّضا على جهاد من حاد اللّه و عصاه.
فلما ترآءى الجمعان قال لهم أهل القرى: يا هؤلاء فيم أتيتم؟
و علام أسّستم أمركم و بنيتم؟ قالوا: جئنا لردّكم إلى الطاعة التي خلعتم ربقتها. و إعادتكم إلى الجماعة التي فارقتم طريقتها. و تنكيس ما قد رفعتموه للشقاق من رأيه. و الإهابة بكم إلى حضرة السلطان لينفّذ فيكم حكمه و يرى فيكم رأيه.
قالوا أنّى يكون له الملك علينا و قد مرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية؟ و سلّط المشركين على أهل العصبية للّه و الحمية؟
و عطّل الحدود المشروعة و فارق السنن المتبوعة؟ فليس له عندنا إلّا الجهاد الذي نعدّه فرضا علينا حتما. و القتال الذي نمضي عليه قدما
[١] البغاث: الطير الجارح. قال الجاحظ:« بغاث الطير ضعافها». الحيوان ٧/ ٦٠- ٦١( ط. هارون).
[٢]الجوامع و الكبول: القيود.
[٣]المشافق: الخائف.
[٤]مهطعون: مسرعون خائفون.
[٥]استلأموا: لبسوا اللأمة للدّرع، و تلببوا: جمعوا ثيابهم استعدادا.